في أسبوع واحد، حُكم على حسني مبارك بأنه شريك في قتل مئات المتظاهرين المصريين، عقوبته الحبس المؤبد؛ فيما نُفّذ حكم الإعدام في عبد حمود، السكرتير الشخصي لصدام حسين، لأنه شريك في قتل مئات من العراقيين في الدجيل، وهي القضية ذاتها التي أعدم صدام نتيجتها.
هكذا أفضت محاكمات نظامين عربيين مستبدين، حكما أكثر بلدين تأثيراً في العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، إلى معاقبة رموزهما جنائياً وحسب، كأي قتلة آخرين من عامة الناس، دون خصوصية لكونهم "قادة"، حكموا في فترات تاريخية شديدة الحساسية، فلم يساهموا في إخراج الأمة من أزمتها الحضارية، بل –على العكس- ساهموا في تعميق أزمتها وغربتها عن التاريخ.
هل يُعقل أن يحاكم زعيم أكبر دولة عربية، وقبله زعيم أقوى دولة عربية، جنائياً، كما يُحاكم عامة الناس؟ وإذا كان ممكناً القول إن محاكمة صدام كانت صورية، لأنها جرت تحت حراب الاحتلال الأميركي، فما الذي يمكن قوله عن محاكمة مبارك، ذات الطابع المصري الوطني، والتي أظهرت أنه ساهم في القتل في أيام حكمه الأخيرة، لكنها لم تقل إن كان مخطئاً في سنوات حكمه الثلاثين السابقة للثورة، بشكل يبرر الثورة ضده أم لا، ويوضح إن كان فاسداً في إدارة شؤون الدولة ومصالحها العليا، أم لا؟
مبارك، زعيم أكبر دولة عربية في فترة مهمة، عبر فيها العالم والعرب نهاية الحرب الباردة، والعولمة، وحرب الخليج الثانية، سُئل إن كان قتل أم لا، كما يُسأل أي مجرم أو قاتل ليس مطلوباً منه واجبات قيادية تاريخية. لكنه لم يُسأل عن خطته لحفظ مصالح مصر، ولتوجيه العالم العربي نحو التقدم والتطوّر، وعن مدى نجاحه أو إخفاقه في خطته (إن وجدت)، وعن مدى مواءمة اختياره لرجال السياسة في مصر لتلك الخطة. وهذا كله جوهر واجباته كقائد ورجل دولة، ويكون فاسداً وغير أهل لموقعه إن لم يفعلها.
مبارك، زعيم مصر في مرحلة حرجة، عبرت فيها قطيعة عربية نتجت عن معاهدة السلام مع إسرائيل، وظروفاً اقتصادية داخلية شديدة الصعوبة، وحراكاً اجتماعياً مطلبياً فاعلاً ونشطاً، سُئل إن كان قتل أم لا، كما يُسأل أي مجرم، لكنه لم يُسأل إن كان منح المصريين الحريات العامة أم حرمهم منها، وإن كان حرص على احترام إرادتهم خلال توليه السلطة أم عمل على تزويرها، وإن كان نفذ خططاً اقتصادية طموحة وحقيقية لتحسين أحوالهم، أم كانت مجرد خطط على الورق، شاب تنفيذها كثير من الفساد؟
هكذا، قالت محاكمة مبارك، كما قالت محاكمة صدام من قبل، إنه قاتل، وهذا هو جرمه وحسب، من دون إدانة النظام الذي تزعمه بالفساد، أو حتى بالاستبداد، الذي هو أصل فساد السلطة، وكأن الاستبداد لم يكن جريمة أو فساداً سياسياً يستحق العقاب من الشعب الثائر، أو كأن الشعب ثار بلا سبب، فباتت مشكلته الوحيدة مع رأس النظام أنه مارس القتل خلال ثورة، بدت كأن لا دوافع لها!
لم تكن محاكمة مبارك بمثابة "محاكمة العصر" إذن، ولا محاكمة صدام التي كان النظام العراقي الجديد قد أطلق عليها الاسم ذاته؛ ذلك أن المحاكمتين لم تعالجا الواجبات التاريخية المطلوبة منهما كقادة، ولم تعاقباهما على تقصيرهما أو سوء إدارتهما للبلاد. وليس ممكناً أن تكون المحاكمات تاريخية، بالنسبة لأمة عاشت خارج التأثير في مجرى التاريخ، لمجرد وجود الزعيم في قفص المحاكمة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد