اخذت ست فيروز تخطئ في اسمي وكثيرا ما نادتني باسم فرح ثم تعود لتبتسم وتناديني باسمي بمنتهى الرقه والحنان علمتنا ست فيروز ان لطف الحديث مهم جدا وانزعجت كثيرا عندما سالت احد تلاميذ الصف القرويين عما تعني كلمه lips الانجليزيه فاجابها بسرعه:-
((شلاطيف)) يا ست
فنهرته قائله بعذوبه:
- لأ مش شلاتيف هذه الكلمه نتكلم بها في بيتنا اما امام الناس فاسمها شفايف
سامع يا مروان شفايف مش شلاتيف.
في فصل الصيف لم يكن لدي مشكله في الذهاب الى المدرسه حيث الطقس جميل والطريق عامرة بالحياة والناس اما فصل الشتاء حيث المطر والبرق والرعد والشوارع الخاليه فالامر مختلف تماما.
في كل يوم وما ان امر من امام منزل هاله حتى تثور في نفسي الذكريات الكثيرة، وساعات المرح والسعادة التي قضيناها اخواتي وهاله وانا.. لم يكن ابناء الاجئين يملكون معاطف للشتاء، ولا مناديل للراس ولا احذيه أوجوارب صوف تقي اقدامهم وحل الطريق وبرد المطر بل نفس ملابس الصيف الرقيقة، مع اضافه قطعه واحدة ان وجد نذهب بها الى المدرسه نرتجف بردا فتزرقّ وجوهنا وتتصلب أصابعنا وتصطك أسناننا وتبدأ آلام الأذان والمغص والرشوحات تلاحقنا .
وما ان ترانا ست فيروز حتى تتلقفنا وبسرعه تبدل ملابسنا المبتله بما لديها داخل خزانه المدرسه وتنشر ما خلعناة على حبل وضعته بين زوايا الغرفة اعدتها لهذا الغرض ثم تقول:
وهكذا (اكثر دفئا وافضل) خلي الملابس عليكم ولا ترجعوها...وما زلت اذكر احد ايام فصل الشتاء القارس وكنت عائدة الىالمنزل بداء الرعد يقصف بشدة وخفت خوفا شديدا وبدأت ابكي واخذت الريح تدفعني باتجاة قناة الماء المحاذيه للشارع وشعرت بالضياع وانا اكافح من اجل تسلق التله التي يربض عليها منزلنا...وبينما الريح تتقاذفني ذات الشمال وذات اليمين وملابسي وشعري تنقطان بالماء، فؤجئت بيد تمتد الى يدي وصوت رجل يسأل:-
- اين بيتك يا بنت اين انت ذاهبه .
فرددت عليه هناك في دار ابو عبدالله
- تعالي
ثم غطاني بجزء من معطفه وسار معي الى ان وصلت دارنا فتركني عند الباب وقفل راكضا من شدة المطر والزمهرير.. وعندما دخلت البيت اسرعت والدتي وغيرت ملابسي وغطتني بحرام وصنعت لي كوبا من الشاي ثم قالت وعلى شفتيها ابتسامه ملونة بالحنان والالم:
- ستتذكرين هذه الايام عندما تكبرين وتتعلمين وتصبحين شئيا مهما.
اشاعت كلمات امي المفعمه بالامل في نفسي الاطمئنان اكثر مما فعل الغطاء الدافئ والشاي الساخن فهدأت ونمت وانا احلم بها.
كنت اتمنى ان تسمح لي بالتغيب عن المدرسه في مثل هذه الايام ولكن ذلك مستحيل فالمدرسة اهم من الاكل والشرب ومن كل شي..
خرج أبي ليلا في مهمة جديدة مع بعض أصدقائه ..ولكنه هذه المرة أطال في غيابه ..طال غياب والدي وطال أكثر وأكثر..كما لم يحضر خالي.. وبدا أن أمي حامل من جديد..فم جديد سيضاف الى الأفواه الجائعة الكثيرة.
لم يعد ابي ولم يرسل اي خبر ولم يبق مع امي من المال لتنفقه واصبحنا نعيش اياما سوداء حالكة لايعلم بحالنا الا الله ..ولم تستطع تسديد أجرة البيت وباتت محرجة وتوقفت عن زيارة أم عبد الله..وفي يوم من ايام الشتاء الطويلة الباردة والمطر ينهمر والزمهرير يعوي معلنا المزيد من المطر والثلج ونحن نجلس ملتصقين بعضنا الى جواربعض تحت أغطيتنا الخفيفة ننفخ على أيدينا لنستطيع الأمساك بأقلامنا وكتابة واجباتنا المنزلية وقد نفذت مؤونتنا تماما وباتت أمي في حيص بيص، طرقت ام عبدالله وعفاف الباب دخلتا وجلستا صامتتين ولاحظت امي عليهما الحيرة.. ثمة كلام تريدان قوله ولكنهما مترددتان فتكلمت امي وقد خمنت سبب حيرتهما:
- انني اسفة لانني لم ادفع اجرة البيت منذ شهرين ولكن الله سيفرجها بالتاكيد.
غير ان ام عبدالله فاجأتها بقولها:
- لا يارسمية نحن لانريد نقود ... نحن نريد الدار...
والجمت الكلمات امي ولكن حساسيتها وعزة نفسها جعلتها تبتلع الصدمة وبنظرات زائغة قالت:
- هذه داركم ونحن نشكركم فقد صبرتم علينا كثيرا ولانريد ان نثقل عليكم .. سوف اكلف البنات بالبحث عن دار اخرى نسكنها .
فأجابتها ام عبدالله:
- لقد وجدنا لكم دار مناسبة وسنساعدكم في الانتقال اليها .. فهزت امي راسها بالشكر وعاد اليها بعض الارتياح وكثيرمن الالم ...
هكذا يجب ان نرحل فالبيت ليس بيتنا له اصحاب واصحابه محتاجين اليه اذن لابد ان نتركه لهم فهم احق به منا ... "نرحل"... نرحل ... نرحل من جديد سمعت امي ترددها من جديد....
قبل ان نرحل من البلد... عندما رحلنا من سلمة.... بعد رحيلنا من فلسطين هاهو الرحيل يطل عليا من جديد من بيت الى بيت ... رحيل جديد... متى سنتوقف عن الرحيل؟ العلم عند الله ...