في يومه الأول رئيساً لكوريا الشمالية، حاز "كيم يونغ أون" الذي تقول الأخبار إنه في أواخر العشرينيات من عمره، لقب "الخليفة الأعظم"، ليرث حكم الجمهورية "الديمقراطية الشعبية!" ليس عن أبيه فقط، على غرار ما جرى وكاد يجري في جمهوريات وجماهيريات عربية هي الأخرى "ديمقراطية وشعبية!"، بل عن أبيه كيم يونغ إيل، وجدّه، الرئيس الخالد "كيم إيل سونغ"!
على بعد مئات الكيلومترات فقط، إلى الجنوب، ثمة كوريا أخرى شكلاً ومضموناً. ثمة رئيس جمهورية ينتخبه الشعب، ولا يحظى بأي ألقاب تعظيمية، ولا يبقى في السلطة إلا بضع سنين، فلا يورّثها –طبعاً- لأحد، فيما يكون من مهمات العسكر أن يحموا البلاد من خصوم الخارج، بدون حاجة للاحتكاك مع مواطنيهم بالحديد والنار أو بغيرهما.
يحدث ذلك عند مجتمع آخر من الأمة الكورية نفسها. ثمة، إذن، كوريّون يمارسون الحرية وتكافؤ الفرص، وكوريّون يرزحون تحت القمع ويعتاشون على عبادة الفرد، فلا تقاس المسافة بينهم بمئات الكيلومترات، بل بمئات السنين!
والعبرة أن العرق والقومية لا علاقة لهما بمآلات الشعوب. الاستبداد ليس شرقياً بالضرورة، وليس حكراً على العرب في جمهورياتهم وجماهيرياتهم، وكذا هو حال الحرية التي لا تختص بعرق دون آخر. ففي كوريا الجنوبية، لمستُ كيف أن فكرة الحرية الشخصية، واحترام خصوصيات الآخرين، مقدسة بين أفراد المجتمع، تماماً كما هو حال معظم مجتمعات أوروبا، ما يعني أيضاً أن الحريات ليست صناعة غربية، ولا استيراداً من الغرب، بل فطرة إنسانية، وأساس لنجاح الشعوب وتقدمها. وأحسب أن كوريا الجنوبية الغنية هي بنت الحرية، فيما كوريا الشمالية الفقيرة ليست إلا وليدة الشمولية والاستعباد.
مثالان من شبه الجزيرة الكورية نستطيع تلمسهما، نحن العرب، بينما نعبر من العام 2011 الذي تبددت فيه أفكار التوريث في الجمهوريات العربية، إلى العام 2012 الذي نأمل أن يترسخ فيه استقرار تلك الجمهوريات وهي تبحث عن الديمقراطية في حياتها السياسية، لتتكرس معه مبادئ الحريات في حياتها الاجتماعية. ليس مهماً أن المثالين الكوريين نتجا عن التأثير الأميركي في الجنوب، والسوفيتي في الشمال، ففي الجنوب يمارس الكوريون حريتهم اليوم باعتبارها لهم، وأداتهم لاستمرار النجاح، من دون شعور بتبعية لأميركا، فيما يواصل الشماليون خضوعهم للتسلط بعد أن زال الاتحاد السوفيتي، وظل الزعيم ملهماً من دون اتصال بدولة عظمى تلهمه!
ثمة، بمناسبة توريث السلطة في بيونغ يانغ، مثالان، وليس مهماً كيف كانت بداياتهما، لأن الأمور بخواتيمها: فأي مثال من الكوريتين نريد؟!
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد العلوم الاجتماعية