ثلاثة مشاهد يمكن للمرء أن يستذكرها، بعد أكثر من أسبوع على تعيين كمال الجنزوري رئيساً ثانياً لوزراء مصر في ظل الثورة، تردد فيها أن ثمة معارضة شعبية لاختيار الرجل، باعتباره "من رجال عهد مبارك".
المشهد الأول، هو خروج الدكتور الجنزوري نفسه، في العام 1999، باكياً من مجلس الوزراء (حسبما قالت الصحافة المصرية في حينه، والرواية لا مصدر لها اليوم سوى الذاكرة)، عقب إقالته من قبل الرئيس السابق حسني مبارك، بعد ثلاث سنوات فقط في رئاسة الوزراء. وهي فترة قصيرة جداً بالنسبة للسياسة المصرية، حيث يدوم رئيس الوزراء، والوزير، والوكيل، والمدير العام، في منصبه أكثر من ذلك بكثير عادة، كما هو معروف.
المشهد الثاني يتعلق بالجنزوري أيضاً، الذي أدى صلاة الجمعة التالية لإقالته في تشرين الأول (أكتوبر) 1999 بالجامع الأزهر، فالتف حوله المصلون معبّرين عن اعتزازهم به، وتقديرهم لخططه الطموحة في مجال النهوض بالاقتصاد المصري في حينه، وهو الذي تسميه بعض الأدبيات المصرية "رئيس وزراء الفقراء". ولعل مشهداً كهذا يمكن أن يفسر غياب الرجل، أو تغييبه، عن الحياة العامة منذ ذلك التاريخ.
أما المشهد الثالث، فهو موقف جمال عبدالناصر من نيّة أم كلثوم اعتزال الغناء بعد ثورة يوليو 1952، لأن قراراً عسكرياً متسرعاً صدر بمنعها من الغناء، باعتبارها من رموز "العهد البائد". تقول "ويكيبيديا": "ذهب إليها وفد مكون من جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وصلاح سالم لإقناعها بالعدول عن رأيها.. لقد أثّرت هذه اللحظة فيها كثيراً".
المشاهد الثلاثة تؤشر على أن الثورة ليست عاقلة بالضرورة، بل هي غالباً بحاجة ماسة إلى عقل مفكر ومبصر، يحول دون طغيان الحماس الطفولي على قراراتها، ومن ثم الإساءة لغاياتها النبيلة. فما شهدناه من جهة اعتبار الجنزوري "من رجال مبارك"، لمجرد أنه عمل في عهده وزيراً ورئيساً للوزراء، من دون التمحيص في نهجه المناهض للفساد الذي أدى به إلى "إقالة مهينة" ذرف بسببها الدموع، هو في حقيقته تفكير معاكس لغايات الثورة على "فساد عهد مبارك"، بأبعاده السياسية (الدكتاتورية والحكم الفردي)، والاقتصادية (الفساد المالي)، والاجتماعية (المحسوبيات وغياب العدالة)، وهو يشبه اتجاه ثوريي يوليو المتسرعين لإسكات سيدة الغناء العربي من دون تمحيص في جدوى استثمار نبوغها الفني في رفعة بلادها وخدمة غايات الثورة.
عقل الثورة" ليس مهمته لجم حماس المتطلعين للانقلاب على إرث الماضي بشرّه وخيره، من دون حساب الفوائد والخسائر، وحسب، بل أيضاً حماية الثورة من تفريخ ثورات داخلية تشتت أهدافها العليا، فتذهب بالبلاد إلى الفوضى. ففي ظروف كالتي قامت ضمنها الثورة المصرية، وملخصها الافتقار إلى قيادة يجتمع حولها الناس، يبدو أن كل مجموعة تتوفر على "وجهة نظر" في مصلحة البلاد، بات يمكنها أن تدعي شرعية ثورية ما، تستند إليها في رفض مقترحات الآخرين ووجهات نظرهم. وهكذا تندلع ثورات عديدة داخل الثورة الأم، كل منها ترفع شعارات نبيلة، لكنها غير قابلة للتحقق واقعياً بسبب غياب التوافق العام.
المشكلة الآن أن الانتخابات التشريعية والرئاسية قد لا يمكنها توفير "العقل" المطلوب، لأن الفرز الأيديولوجي الذي سينتج عنها سيهدد فكرة "العقل" الذي تحتاجه كل ثورة في بداياتها، قبل أن تنتقل تدريجياً من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة. هكذا، فإن ما توفر في ثورة يوليو بفضل بصيرة عبدالناصر، قد لا يتوفر اليوم، وعندها ربما يغادر الجنزوري مجلس الوزراء من جديد، والدموع في عينيه، لأن أحداً لن يتلمّس ضرورته، ولن يصنع له لحظة "تؤثر فيه كثيراً"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد