أنجز الدكتور برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع في جامعة السوربون الذي تولى أخيراً رئاسة المجلس الوطني السوري، مشروعاً فكرياً ضخماً ومتماسكاً يمكن إدراجه في حقل "النقد الحضاري لأزمة النهضة العربية"، قبل أن يتصدر المشهد السوري المعارض، من المنفى، كأبرز القادة السياسيين لـ"الثورة السورية"، وهو ما يجعل مراقبة تجربته، كمفكر كبير يمارس السياسة في لحظة تاريخية فارقة يعبرها العرب، على قدر عالٍ من الأهمية، لأنه يتولى عملياً المساهمة في تطبيق ما ظل ينظّر له على مدار عقود.
أصدر غليون العديد من الكتب الرئيسية في المكتبة العربية، خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، من أبرزها: "اغتيال العقل"، "المحنة العربية: الدولة ضد الأمة"، "نقد السياسة: الدولة والدين". ولعل من أهم ما يميزه في مجال تحليل مظاهر التخلف الحضاري في العالم العربي، بما فيه "الاستبداد السياسي" و"الثقافة الأبوية" و"الفساد البنيوي"، أنه يردها إلى التجربة التحديثية في العالم العربي، وليس إلى الجذور التاريخية أو الإمبريالية أو البنية الدينية والثقافية الموروثة، كما يفعل معظم المشتغلين في النقد الحضاري للأزمة العربية. إنه يردها إلى الدولة العربية التحديثية نفسها، التي نشأت على إثر ظهور الدولة الحديثة في بعض المجتمعات الأوروبية، وليس على إثر تحوّل المجتمعات العربية إلى الحداثة.
يرى غليون في نظريته "الدولة ضد الأمة"، وهو الذي يتزعم الثورة على الاستبداد اليوم، أن الدولة العربية المعاصرة ليست دولة وطنية، أي تخدم الأمة وتعبر عنها، بل دولة تقيم قطيعة مع المجتمع، وتمارس الاستبداد ضده، بدعوى "تنويره" وتحديثه. تلك "الوظيفة التحديثية" التي أناطتها الدولة بنفسها، هي مصدر الشرعية المتخيّلة لهذه الدولة غير الديمقراطية، المعادية للحريات، التي تسمح لنفسها باحتكار السلطة لعقود طويلة، وممارسة السياسة على طريقة "الأب" القائد الذي يعرف –وحده- مصلحة أبنائه من دون الاستماع لهم، لأنها في الحقيقة دولة الفئة الحاكمة، وليست دولة المواطنين.
يقول غليون: "إن هذه المجتمعات لا يكاد يكون لها وجود كمجتمعات سياسية إلا بفضل الدولة واعتماداً عليها.. فالدولة التحديثية تتحكم في الواقع بكل العملية الاجتماعية، بدءاً بالمسائل الاقتصادية وانتهاءً بالتكوين العقدي والثقافي، مروراً بوضع معايير ونظم التراتب الاجتماعي. وهي تستطيع انطلاقاً من ذلك أن تفرض نفسها بوصفها، إلى جانب كونها مركز الشرعية الوحيد، مصدر القوة الوحيد أيضاً. وبسبب الافتقار للاستقلال الذاتي إزاء السياسة، يكفي أن تنقطع هذه العلاقة أو تتدهور، حتى تهدد الروابط والتوازنات الاجتماعية كافة بالانحلال" (المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 2003، ص242).
وفي كتاب آخر، يقول: "في ما وراء أزمة الدولة الوطنية وفسادها، ينبغي أن نتأمل في أزمة النظام المجتمعي نفسه. ما لم نخرج من إشكالية الدولة ذاتها نحو إشكالية المجتمع وتكوين المجتمع وتأهيله أفراداً ومنظمات وهيئات وجماعات، وهنا تلعب الثقافة ويلعب الفكر دوراً أساسياً، فلن نستطيع أن نتخلص من نماذج سلطة ودولة تهدد الأفراد وتقتل الإمكانيات وتدمر المواهب" (العرب وتحولات العالم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2003، ص ص 178-179).
ها هو "المجتمع" قد ثار على "إشكالية الدولة"، من دون أن تُحل "إشكالية المجتمع"، على غير ما تقتضيه منطقية الأشياء، وها هي التوازنات الاجتماعية تواجه ذلك التهديد الذي يفتح الطريق إلى الاحتراب الأهلي. كم سيكون مدهشاً، بالنسبة لشخص مثلي ظل يواظب على قراءة الإنتاج الفكري للدكتور غليون منذ سنوات، أن يتابع كيف يتصرف المفكر الذي يعرف كل شيء، ويقترح حلولاً لكل شيء، حين يصير في الميدان، ويكون متاحاً له أن يعمل بنفسه ما ظل يدعو الآخرين لعمله وتطبيقه!

المراجع

http://www.alghad.com/articles/530546-%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86-%D8%BA%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%20%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86%20%D8%BA%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86 جريدة الغد]

التصانيف

صحافة  سامر خير أحمد   جريدة الغد