في التعليق على ما جاء في خطبة مسجد نمرة، يوم وقفة عرفة، أبدى أحد المعلقين عبر إذاعة "إسلامية" محليّة، استياءه من معظم ما قاله الخطيب، كونه قدّم الخطبة باعتبارها موعظة دينية، لا باعتبارها خطبة الاجتماع السنوي للمسلمين الذي يبحثون فيه شؤونهم وقضاياهم، بخاصة في هذه السنة الخاصة والمختلفة. وقد كان المعلّق -برأيي- محقّاً في ما قال.
غير أن المعلّق أبدى تأييده لإصرار الخطيب على المرجعية السلفيّة للمسلمين، وقال معقبّاً على ذلك إن أحداً لا يختلف على أن الإسلام "حقيقة سلفيّة"، وأن المسلمين "كلّهم سلفيّون"! وهو لا يقصد طبعاً أنهم يتبعون المدرسة الدينية التي تسمي نفسها "سلفيّة"، وإنما أنهم ماضويون في فهمهم للإسلام، أي ينطلقون في تصوراتهم للإسلام المثالي من تلك الصورة التاريخية للمسلمين الأوائل.
يؤكد هذا أن مختلف المدارس السياسية والفكرية الإسلامية الرائجة في عالمنا العربي، هي، بدرجة أو بأخرى، سلفية من حيث فهمها للإسلام وخططها تجاه المجتمعات العربية. تريد كلها، بدرجة أو بأخرى، أن تستعيد مجتمع الصحابة في واقعنا الراهن، باعتباره الشكل الإسلامي الحقيقي الذي يرضي الله، ويستوجب من ثم استجلاب نصر الله للمسلمين، ودخول الجنة.
ولا يحتاج المرء طويل نظر في الأمر، ليكتشف أن الطروحات السلفية للإسلام، الرائجة في عالمنا العربي منذ نحو 150 سنة، أي منذ جمال الدين الأفغاني، باعتبارها طريق نهضة الأمة، ما تزال بعيدة عن تحقيق أي نجاح، فيما أن المدارس الإسلامية غير السلفية، مثل ما يحدث حالياً في الحالة التركية، هي وحدها التي تمكنت من النجاح والحضور والإقناع.
ثمة طرحان للإسلام السياسي في عالمنا اليوم: واحد سلفي، وآخر مدني. الأول فاشل بامتياز، ولا أمل يُرتجى منه، لأنه يفكر ويتحرك خارج العصر والتاريخ، والآخر ناجح بامتياز لأنه يفهم الإسلام "صالحاً لكل زمان ومكان"، أي لا ماضوية فيه ولا سلفيّة، وإنما معاصرة تنبع من مدى تطور المجتمع وحالته الراهنة، وحاجته ومصالحه. إننا، بتعبير آخر، أمام فهم رعوي للإسلام، قائم على الثقافة الأبوية النمطية والإكراهية، وآخر مدني، يقوم على ثقافة الحرية والمواطنة.
طبيعي، والحالة هذه، أن تأتي خطبة نمرة كـ"موعظة"، ففي الفهم الأبوي الرعوي السلفي، يتمحور الإسلام حول العلاقة بين الفرد وربه، فيكون على "الأمة" أن تتدخل وتفتي في تلك العلاقة: كيف تأكل؟ كيف تلبس؟ كيف تصلي؟ كيف تصوم؟.. إلخ، ولا يعنيها كثيراً ما يعني الفهم المدني، الذي يتمحور فيه الإسلام حول العلاقة بين الفرد ومجتمعه: كيف تكون مواطناً، وفرداً في مجتمع، تحترمه فيحترمك؟ فيما يترك العلاقة بين الفرد وربه، إلى الفرد وربه!
بعض ما يسرُّ الخاطر، أن دعاة "الإسلامية" في تونس، الذين يشاركون في عملية ديمقراطية حقيقية تتناسب مع ديمقراطية المجتمع التونسي، وثقافة الحرية الرائجة فيه، إنما يقدمون طروحات قائمة على المدنية والحرية والمواطنة، وهي طروحات قديمة بالنسبة لراشد الغنوشي، ظل يعلنها من منفاه منذ بداية تسعينيات القرن العشرين، وليست طروحات طارئة تنتج عن انتهازية سياسية. لقد أدرك هؤلاء "الحقيقة المدنيّة" للإسلام التي تدفع للمشاركة في بناء الأوطان جنباً إلى جنب وعلى قدم المساواة مع أصحاب الأفكار المخالفة، بدون أن يطرحوا أنفسهم كمتحدثين باسم الله، وكأوصياء على أفكار البشر، بدعوى إخراجهم من الظلمات إلى النور! لذا، ستكون الحالة التونسية ناجحة ولا ريب، لأنها تنبع من "العصر" لا من الماضي، وستكون الحالات العربية الأخرى كلها، فاشلة ولا ريب، ما دامت تعيد في كل مرة إنتاج فكرة الاستنجاد بالتاريخ للدخول إلى العصر!
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد العلوم الاجتماعية