لا تخطئ العين ذاك الواقع الذي يتورم يوما بعد يوم، ويعيد إنتاج ملامح للتعايش، ومشاهد للاقتصاد، يصعب التنبؤ باستمرارها لأشهر لاحقة في حوران التي لم يتوقف قصفها بوصفها مهد الثورة السورية.
نساء يخبزن على الصاج، ومخابز تعمل بشكل متقطع؛ فيما نظرية الاكتفاء الذاتي بدأت تنهار مع تقدم الوقت، بسبب نفاد المخزونات وطول أمد المواجهة مع قوات النظام. وتبدو عقدة الكهرباء كبيرة؛ إذ لا تتاح كثيرا لمن تبقّى من أهل حوران، بينما ترتفع أسعار الديزل والبنزين. ويبدو الكاز مادة يصعب تحصيلها، ما جعل "البابور" غير متاح. وهنا يأتي دور المقايضة؛ فالمدن والقرى التي ترفض الطاعة لنظام الأسد، لا تحصل على قمح ومشتقات نفطية أو كهرباء وماء.
الشق الاقتصادي في المواجهة المتدحرجة في سورية حاضر بكل تفاصيله القاسية. فثمة من يسعى إلى خنق المعيشة لإجبار مدن وبلدات حوران على تغيير موقفها بعد أن قالت كلمتها قبل أكثر من عامين. بيد أن أكثر الأمور صعوبة في هذا الواقع المر هو تأمين الدواء والمعالجة الطبية. فالمستشفيات تُقصف، والعمليات الجراحية يجريها ممرضون وأطباء بيطريون وأحيانا أطباء أسنان. والعلاج شحيح، وما يأتي من الخارج إما أن يكون منتهي الصلاحية أو غير ذي جدوى. فعلاجات الأمراض المزمنة ليست موجودة في الجنوب السوري، ويغيب عن درعا كلها، بمستشفياتها الميدانية الأربعة عشر، جهاز التصوير الطبقي المحوري وأجهزة إصابات العظام.
في بعض مناطق النزوح، لاسيما في المناطق الغربية لدرعا على امتداد الشريط مع الجولان المحتل، يشرب بعض النازحين مياه المستنقعات، ولا طعام يأتيهم أو دواء. وحدث مع عائلة واحدة أن كانت في منطقة المسريتية، فتعرضت للقصف؛ فارتحلت إلى قرية جملة، فتعرضت أيضا للقصف. ثم لاذت العائلة بوادي الطعيم بين المسريتية وجملة، فلاحق القصف أطفالها وهم يفترشون العراء في خيام مهترئة، ولا تتوفر لهم أبسط شروط العيش.
أما انقطاع الدخل، فهذا وحده مأزق كاف، لأن ينغص الحياة على كثيرين ممن لا يقوون على شراء أي متطلب معيشي لأبنائهم، وهم لا يملكون أيضا مؤونة غذائية تسد حاجة الأفواه الجائعة. وهذا الأمر يشترك فيه السكان المدنيون ومقاتلو المعارضة المسلحة في الجيش الحر. ففي بعض تشكيلات الجيش الحر، هناك من لم يتلق راتبا منذ ستة أشهر، فيما أكثر أهل حوران بلا رواتب، ويحاول كل رب أسرة اليوم التكيف بكل ما لديه من قوة، لكن المحاولات تتكسر على صخرة الطلب المستمر للغذاء والدواء، والبحث عن الاستقرار.
ووسط هذا الضجيج، تبرز فئة السماسرة بوصفها أكثر الفئات خطورة على المجتمع الساعي إلى التكيف؛ فتراهم يبيعون الغذاء والأدوية بسعر أعلى بمرتين أو ثلاث، فيرفعون الكلفة على المتلقي في آخر الحلقات. وقد أثرى كثير من هؤلاء على حساب صحة ولقمة خبز السوريين. وليس لدى المستغلين أي منسوب من الأخلاق؛ فالظرف حالك، بل وقاتل، وهم يتفنون في ممارسة ألاعيبهم لكي يحصلوا على دولارات إضافية ليست من حقهم.
ورغم سواد المشهد، إلا أن التكافل بين أبناء درعا حاضر أيضا؛ فالكل متعاضد، والبيوت مفتوحة للجميع، وأواصر التعاون لغايات التكيف المعيشي موجودة، وتتصاعد بشكل يسهم في تحقيق أمن معيشي نسبي.
والحالة هذه، فلا أعتقد أن القدرة على تحمل هذه الظروف القاسية ستكون ممكنة لما بعد عامنا هذا.

 

حسن احمد الشوبكي


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حسن احمد الشوبكي   العلوم الاجتماعية   الآداب