سطّر التونسيون ملحمة سياسية بثورتهم التي ألهمت وما تزال شعوب المنطقة. وقد أزالوا عن العرب تهمة أنهم شعوب تستمرئ الاستعباد السياسي، ولا تفهم أو تقبل الديمقراطية. وها هم التونسيون من جديد يشقون خطاهم الأولى نحو الديمقراطية والحداثة، واستعادة كرامتهم الوطنية التي سلبت منهم لعقود، وذلك من خلال انتخاباتهم التي ارتقت لمستويات شفافية ونزاهة نادرة الحدوث في الوطن العربي. هم يفرضون احترامهم على العالم، ويبهرون التاريخ، ويلهمون شعوب المنطقة العربية بالنهايات التي يمكن الوصول إليها؛ هم يرسخون وحدتهم ومنعتهم الوطنية لتونس وشعبها وأرضها وتاريخها بعد أن كان كل ذلك مختصرا في شخص رئيسها المخلوع في استخفاف مقيت بالشعوب وذكائها وكراماتها.
كثيرون يتمنون الفشل للثورة التونسية، فوقع ذلك سيكون موسيقى على آذان أعداء الإصلاح والمستفيدين من استشراء الفساد، فهؤلاء كانوا ليخرجوا علينا محذرين من عواقب الإصلاح إذا ما كان جالبا للفوضى. النخب التونسية أبدت وعيا كاملا بالمسؤولية التاريخية التي تقع على أكتافها، وضرورة أن يفوتوا الفرصة على من لا يريدون بالديمقراطية التونسية الوليدة إلا أن تكون ديمقراطية الفوضى والاقتتال. إسلاميو تونس على وجه الخصوص أظهروا وعيا سياسيا متقدما من خلال تبنيهم لخطاب سياسي أراح عموم التونسيين؛ ركز على المدنية والعلمانية، واتخذ مواقف عملية أقنعت الناخب التونسي بأن الإسلاميين قابلون حقيقيون للتعددية، وأنهم ليسوا إقصائيين كما الحال مع كثير من تجارب الإسلام السياسي، بدءا من الثورة الإيرانية وانتهاء بانقلاب حماس في غزة. حزب النهضة التونسي صدع لمبدأ المشاركة لا المغالبة، وقد انفتح على من حوله ولم يستعدهم، وتصرف كحزب سياسي مستعد لتحمل المسؤولية وتقديم التنازلات الكبيرة التي تتناسب وحجمه السياسي؛ هو لم يكن انتهازيا ولم يتعسف باستخدام قوته السياسية، بل كان مدركا لمحيطه السياسي الوطني والدولي.
في مراقبة الملحمة السياسية التونسية، يحق لنا نحن في الأردن أن نتساءل: من هو غنوشي الأردن؟ أو إلى أي مدى ينتشر الفكر "الغنوشيّ" بين صفوف إسلاميينا؟ وهل إن إسلاميينا قادرون أن يقولوا للأردنيين ما قاله الغنوشي للتونسيين عشية الانتخابات، بهدف تطمينهم وحثهم على التصويت؟ أليس مشروعا أن نلوم حركتنا الإسلامية على تقصيرها بحق الإصلاح، تماما كما هي حكوماتنا التي لا تمتلك رؤية لإحداثه؟ أوليس من حق الإصلاح عليها أن تطرح نفسها كبديل سياسي حقيقي للنخب الحالية، وتقدم برنامجا عمليا لسياساتها العامة يتجاوز المربع الأيديولوجي الذي يخيف من حولها منها؟ ألا يجب عليها أن تقترب من "النموذج الغنوشي" الإسلامي حتى لا نقول الأردوغاني، وعندها ستكون الحركة الإسلامية خيار الدولة الأول، وسندا استراتيجيا لها.
نجح المشروع الإصلاحي التونسي لأن المعارضة الإسلامية الأقوى والنخب كانت على مستوى المرحلة، وواعية لمتطلباتها الاستراتيجية، وهو ما نتردد بالقول إنه شيء تمتلكه معارضتنا، فهي ما تزال حبيسة خطابها السياسي الذي يحمل نزعة إقصاء يصعب إخفاؤها، وهي ما تزال للآن تستخدم قوتها السياسية الشعبية لفرض رؤيتها الإصلاحية بدلا من أن تشتبك إيجابيا مع مَن حولها وتستميل الدولة لكي تعتبرها خيارا سياسيا استراتيجيا مقبولا ومحبذا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د. محمد حسين جريدة الغد