لا أدري في أي حفرة يقبع الرئيس الليبي المخلوع، وكم عدد الذين ما يزالون حوله، ولكنني أقدر أنه حتى اللحظة لا يدرك ما حدث له، وعلى الأرجح يظن أن جحافل الصليبيين ستُهزم من قبل ثورته الماجدة والفاتحة التي جعلت منه ملك ملوك أفريقيا، وفيلسوف الكتاب الاخضر المنجّي من ظلم الرأسمالية واستبداد الشيوعية. حالة الهذيان الإكلينيكي التي يعاني منها الرئيس الليبي المخلوع سيذكرها التاريخ في صفحاته السوداء، وهي محرجة للإنسانية والعروبة بأن يتأتى لشخص من نوع زعيم العصابة المهووس قيادة دولة وشعب بأكملهما ولعقود من الزمان.  نحن ملزمون أخلاقيا وعلميا أن نتوقف ونتساءل عن الكيفية التي تمكن من خلالها من يعاني من هذيان ولبس نفسي من أن يستمر في حكم شعب بأكمله لعقود أربعة. ما الذي فعله، وماذا كانت أدواته؟ كيف استطاع أن يقنع من حوله أنه "ملك الملوك" وصاحب الرؤية الخضراء للعالم؟ كيف استطاع غسل عقول من حوله، وكيف تأتى لمن قاتلوا دفاعا عنه أن يبيعوا عقولهم وشكيمتهم ويصلّوا لقائد من نوع القذافي؟ علينا أن نجيب عن هذه الأسئلة إن أردنا أن نفهم ما حدث، وكيف يمكن تجنبه في المستقبل، وتجنب مزيد من الاستعباد السياسي للشعوب العربية وغيرها التي ما يزال عدد لا بأس به منها مستعبدا بالفعل. ولكنني أدرك تماما أن الترهيب والتخويف والقتل والتنكيل، التي كانت أدوات وأسباب أساسية في استعباد الشعوب وامتهانها، أدوات قد اضمحلت، بعد أن غدا كثير من المواطنين العرب مستعدين لتلقي الرصاص بصدورهم وقول الحق في وجه السلطان الجائر، حتى لو كان ذلك عبر الفضائيات و"تويتر". 
يحق لنا، ويجب علينا أن نتساءل ونحن نراقب سقوط القذافي عن أثر ذلك على القادة العرب الآخرين الذين يعاملون شعوبهم كقطعان ماشية لا رأي لها، ويجب أن تقاد إلى مصالحها التي لا يمكن لها أن تعرفها وحدها. كيف رأوا المشهد وماذا شعروا؟ أظنوا بأنهم مختلفون وأنهم على حصونهم باقون؟ ألم يقرّبهم ذلك ليقتنعوا بضرورة احترام الشعوب وكرامتها وإشراكها في القرار؟ لماذا ما يزال كثير منهم يمارس لعبة إنكار الحقيقة؟ ما الذي يمنع هؤلاء من التصرف كما يتصرف باقي حكام العالم، بأن يحكموا لفترة ثم يتركوا المجال لغيرهم، فيذكرهم التاريخ ضمن هذا السياق وليس لذبحهم وتنكيلهم بشعوبهم؟ لماذا أصبحوا حبيسي دوائرهم السياسية المعزولة، واستمرؤوا المديح الأجوف المبتذل؟
عدد من قادة العرب يعتقدون فعلا أنهم مختلفون، وأنهم يستطيعون أن يسلبوا الشعوب حقها في الكرامة والمشاركة، وهم يؤمنون أنهم أصحاب شرعية ومسؤولية سياسية بأن يقودوا، بل ويقتلوا الأصوات التي تقول بغير ذلك.  أثق أن مشاهد سقوط القذافي وغيره أثرت بأولئك القادة، بل وأخافتهم، ولكنهم على الأرجح وفي اللحظة التي دخل عليهم فيها زبانيتهم وتلوا عليهم قصيدة عظمتهم وإلهامهم استعادوا ثقتهم باستثنائيتهم وإلهاميتهم، وأن دونهم الهلاك والضياع لشعوبهم التي "ضحّى" القادة الملهمون بحياتهم من أجلها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. محمد حسين   جريدة الغد