في العشر الأواخر من رمضان ، يطيب للنفس أن تهجر المدينة والحضر وتنطلق في رحلة تأمل بعيدا عن ضجيج المدن وصخبها ، قريبا من طيبة أهل البادية وأخلاقهم العالية ، والتي لا يمكن لأحد كائنا من كان أن ينال منهم ، بحسن أو بسوء نية ، فهم أصل الأصل ، وهم القدوة والملاذ حينما تتشوه الأخلاق وتسوء الذمم.

يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة تحت عنوان "البدو أقدم من الحضر وسابق عليه" أن البدو هم المقتصرون على الضروري فى أحوالهم وأن الحضر هم المعتنون بحاجات الترف فى أحوالهم ، ثم يقول إن خشونة البداوة قبل رقة الحضارة. أما عن صفات البدو أنفسهم فأهمها القرب إلى الخير والشجاعة إلى جانب الكرم والجوده والأمانة وفي هذه المعاني يقول ابن خلدون فى مقدمته تحت عنوان "أهل البدو أقرب الى الخير من أهل الحضر" أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت مهيأة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر فإذا سبق أحد الخلقيين إلى النفس تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عادات الخير وحصلت له ملكتها بعد عن الشر وصعب عليه طريقه وكذلك صاحب الشر إذا سبقت إلى نفسه عادات الخير وحصلت له ملكتها بعد عن الشر وصعب عليه طريقه وكذلك صاحب الشر إذا سبقت إلى نفسه عادات الشر بعد عن الخير وصعب عليه طريقه ، ويقول أيضا إن أهل البدو اقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر.

ولفضائل البادية والبداوة والبدو فقد كان الخلفاء والأمراء فى عصور الحضارة الإسلامية يدفعون بأبنائهم إلى البادية لاكتساب صفات الشجاعة والفروسية وحتى تشتد سواعدهم وتقوى عزائمهم وتأهيلهم لتحمل المشاق والمسؤوليات الجسام كما كان الآباء الذين يريدون لأبنائهم أن يكونوا من الشعراء يرسلون أبناءهم إلى البادية لتعلم اللغة ولتستقيم ألسنتهم وتصح مترادفاتهم وتصفو قرائحهم.

فإن كان ذلك كذلك ، فأي عاقل يمكن أن يذم البدو والبداوة وهي منشأ الأنبياء والحكماء وملجأ الصالحين والزهاد والعباد؟.

إن أي إساءة فهم لأي كلام خارج هذا السياق لا علاقة لها بالمنطق ، ولا يضيريني أبدا أن أعتذر بملء الفم وبكل شدة لأي طرف إن بدر مني بعض التعبيرات غير الموفقة في مقال سابق ، فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور