رمضان يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وسيرحل بعد يومين أو ثلاثة ، وسترحل معه تلك الوجوه العكرة النزقة التي ترغي وتزبد لأبسط سبب ، ولديها الاستعداد الكامل لارتكاب ما تيسر من فحش الكلام وبذاءة اللسان ، لأكثر الأسباب تفاهة ، بل إن بعضها على أتم استعداد لاقتراف جريمة كاملة المواصفات والمقاييس بسبب تجاوز خاطىء ، أو أخذ أولوية السير،
أيام قليلة وسيرحل رمضان ، وستختفي أزمة السير ، وعصبية الراكضين لموعد الافطار في مراثون يومي يضغط على الأعصاب ، ويشد من عضلات القلب والوجه واللسان ، وسترحل مع الأزمة ، حوادث ارتكبت تحت تأثير نقص النيكوتين ، وستطوى ملفات فتحها الجوع ورائحة القهوة المشتهاة ذات نهار،
أيام ويرحل رمضان ، وسترحل معه مسلسلاته ومسابقاته ، وتمنيات كاذبة من وسائل إعلام تافهة تردد ببلاهة وبلا أي معنى بين تثاؤب وآخر ، أو هزة خصر و"كليب": رمضان كريم؟ ولا أعرف ماذا يعني كرم رمضان بالنسبة لهؤلاء ، غير "موسم فني" لترويج بضائع فاسدة ، منتهية الصلاحية ، لا تستهدف غير اغتنام فرصة لصنع المزيد من المال ، والمتاجرة بالكبت،
غدا سيرحل رمضان ، وتختفي من حياتنا ، أو ستقل كثيرا ، عملية اللعب بلعاب الصائم ، وحك جوعه ، من خلال برامج الطبخ والنفخ ، والصحتين وعافية ، مع ما يصاحبها من بهرج وإفساد ذوق ، وفتح أبواب من "الوذافة ،"أمام شعب عربي يجد نصفه صعوبة ومشقة في تأمين ثمن رغيف الخبز "الحاف ،"اليومي ، فما بالك بالستيك والبوفتيك والمشروم والمحموم ، والمدخن والمدجن ، وما نعرف ولا نعرف من ألوان الطعام والحلوى الشرقية والغربية و"الوسطية،"
غدا سيرحل رمضان ، وسترحل مسابقات النصب والاحتيال ، وسرقة أموال الحالمين بالثروة والمرسيدس بمجرد مكالمة ، وسترحل برحيله أيضا ، كباريهات: "من الفطور إلى السحور" على نَفـَس أرجيلة واحد ، ودقْ شدة ينتهي بتغريم المهزوم ، وسترحل خيام مزركشة باللهو والطرب ، بدلا من إحياء الليالي بالذكر والقيام،،
سيرحل "قمر الدين ،"والقطائف والعرقسوس ، والامساكية ، وتأففات الموظفين ، وضيق صدورهم بالمراجعين ، ودوام الدوائر الجزئي جدا ، وسترحل أيضا بسطات العصير المشبع "بالاسانس" والسكر ، ومخللات الفلفل والخيار واللفت الملون بالأحمر ، وبسطات الفجل والبقدونس والجرجير والبصل الأخضر.... سترحل كل هذه "الطقوس" مع أول خيوط نهار العيد ، لنسأل: يا إلهي هل كان هذا هو رمضان؟؟
وسيحزن كثيرون لأن موسما من مواسم الخير العميم ارتحل ، ولا يدري أحد من سيكرمه الله برمضان قادم،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور