هذه ليست أول مرة تفترق الحسابات الفلكية عن "شهادات الشهود العدول" فقد سبق أن أعرب رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي عن أسفه الشديد لأن الدول الإسلامية احتفلت -كالعادة - بأحد أعياد الفطر في أوقات مختلفة ، وهذا ما تكرر طبعا هذا العام ، مؤكدا أن العلم الحديث بات يوفر إمكانية حساب أيام الشهر القمري بشكل دقيق. الرئيس دعا في حينه المؤسسات الرسمية والدينية في العالم الإسلامي الى التعاون معها في جهودها لإنهاء الخلاف في التوقيت.

قبل سنوات أعلنت اللجنة العليا لإدارة مشروع القمر الصناعي الإسلامي الذي قيل انه سيخصص لرصد أهلة الشهور القمرية ، أن مراحل تصنيعه ستبدأ في آذار 2005 وستستغرق 15 شهرا يصبح بعدها القمر جاهزا لرصد ميلاد الهلال ليراه المسلمون مباشرة عبر شاشات التلفزيون ، يعني كان من المفروض أن يتم إطلاق القمر قبل فترة طويلة ، إلا أننا لم نسمع حتى عن مصير المشروع ولا إلى أي مرحلة وصل.

بالمناسبة ، المشروع كان جديا جدا أو هكذا بدا لي ، وقد قامت اللجنة في حينه - التي تضم علماء دين وخبراء متخصصين يمثلون عددا من الدول العربية والإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي - بفحص عروض الشركات الأجنبية التي تقدمت لتصنيع القمر الصناعي بالاشتراك مع مركز دراسات الفضاء بجامعة القاهرة الذي يتولى متابعة المشروع ، وتبنت دار الإفتاء المصرية مشروع القمر الصناعي الإسلامي لرصد أهلة الشهور منذ العام 1997 ووافقت منظمة المؤتمر الإسلامي على دعمه ، ولم تساهم كل الدول الإسلامية في المشروع نظرا لفقر بعضها ، إلا أن جميع البلدان العربية قد وافقت على المشروع ما عدا تونس التي رأت أن الحساب الفلكي يكفي لرؤية الهلال.

موازنة تنفيذ المشروع النهائية اللازمة لتصنيعه كانت تبلغ في حينه نحو 8 ملايين دولار كان من المفترض أن يتم تجميعها عن طريق الاكتتاب العام في صورة أسهم بين الدول الإسلامية عن طريق دار الإفتاء المصرية ، وهو يتكون من قمر صناعي صغير الحجم يتحرك على ارتفاع منخفض إلى جانب محطات أرضية تستقبل صور الهلال الوليد وتحدد المكان الذي رصد الهلال فوقه ، وبالتالي سيقوم القمر الصناعي الإسلامي بعملية رصد موثقة لميلاد الهلال يراها المسلمون على شاشات التلفزيون.

ترى.. ماذا كان مصير هذا المشروع؟ لقد أصبح في حكم الغيب ، بعدما صار مهملاً من غالبية الدول العربية والإسلامية ، التي ترفض التبرع بمبلغ 8 ملايين دولار لإنشاء هذا القمر ، أو حتى مليوني دولار فقط لبدء التعاقد مع الشركة الإيطالية التي سوف تنتجه.

مرت على فكرة إنشاء المشروع عدةأعوام ، من دون أن يتم جمع الأموال اللازمة لتصنيعه ، بسبب تقاعس كثير من الدول للتبرع ، هكذا حلم علماء مسلمون ذات سنة ، ترى ما مآل هذا الحلم الذي "كان" ينتظر تحقيقه الملايين من المسلمين؟.

العلماء يؤكدون أن الأدلة الشرعية والعلمية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن عبادة الصوم -مثلا - في شهر الصوم يجب أن تبدأ في يوم واحد وتنتهي في يوم واحد بعد أن ثبت أن معظم الدول العربية والجاليات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم مشتركة في جزء من الليل مع أم القرى ، مع العلم أن الدول الإسلامية اتفقت على هذا المبدأ في مؤتمر متخصص ، إلا أن هذه الدول لم تلتزم بما اتفقت عليه ، ما أدى إلى هذا التفرق والنزاع بين الأمة إلى أن وصل الأمر إلى أن إحدى الدول العربية انقسمت داخلها في تحديد بدء الصيام إلى ثلاثة أيام.

التنازع في مثل هذه الأمور الدينية هو دليل على النزاع في الأمور الدنيوية ، وقد أصبح من المعتاد في السنوات الأخيرة ، أن تستعصي أهلة الشهور الهجرية على الرصد ، لأسباب عدة منها الظروف الجوية الطارئة ، والإعتام الدائم الذي يغلف الطبقات الدنيا من جو الأرض بشكل شبه دائم ، وبالتالي تظهر أهمية فكرة القمر الصناعي الإسلامي للتغلب على هذه المشكلة ، وما قد يتبعها من اختلاف بداية الشهور العربية في الدول العربية ، ولا حل إلا بمشروع القمر الصناعي الإسلامي ، ولكن من أين نأتي بالتمويل ، عيد آخر غير مختلف ، يكشف أننا لم نزل أمة ممزقة ، لا تتفق على بداية الشهر العربي ، فكيف تتفق على ما هو أكبر من هذا؟.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور