شهيد من الخضيرة (27)
تتنهد أم اسماعيل وتتذكر حنانه وترفقه بها عندما يذهبون لرعي الغنم. يركبها غصب عنها على الحمار..بينما يمشي طول الطريق على رجليه، لأنه في يوم غرست شوكة في قدمها وسال دمها. تتذكره يحمل لها الحطب، أو يلعب مع أولادها أو يجلس معهم حول طبق الأكل.. تتذكر شمائله ووده وطيبة قلبه ..ولكنه الآن مجرد جثة ميتة على ظهر حمار.. هو يركب وهي تمشي.
تتحدث أم اسماعيل عن حمارها الوفي فتقول :" يمكن لا تصدقون لو قلت لكم أنني كنت أرى دموعا وحزنا في عينيه وفي نظراته ..والله لو كانت الحمير تنطق لنطق من شدة ما شاهد من كربي ومحنتي .. رفض الأكل طيلة الطريق وأشاح بوجهه عن العشب، كان يواسيني كأخ أو كصديق..والله حزنت عليه يا جماعة شعرت أنه أحس ما بي. ورغم معرفته الطريق لأنه يفهم مثل بني آدم، إلاّ أنه هو الآخرعميت قماره وفقد ذاكرته؛ فلم يصل بحمولته الاّ مع بداية نهار اليوم التالي".
نواحها الذي ملأ الأرجاء؛ دفع بالناس للخروج كبيرا وصغيرا يستطلعون الأمر، فلا أحد يدري مصيبتها بعد .. جرى زوجها وأبناء عمومتها وركض خلفهم باقي النسوة والرجال ..أصابهم الفزع عندما شاهدوا جثة محمد وأخذت النساء تصوّت بأعلى صوتها والرجال يحملون الجثة يهللون ويكبرون ويسألون؛ شو صار ؛ شو صار..لم تنطق سوى كلمة واحدة " شنقوه..شنقه الأنجليز" لا حول ولا قوى إلا بالله العلي العظيم. أخذوا يرددون على مسامعها أنه شهيد، وأنه الى الجنة حَدِف، وان الله يكرم الشهداء، وما لهذا الكلام الذي يواسيها لكنه لا يعيد شهيدها .. وبدأوا يتصايحون وعبارات " الشهيد حبيب الله..والله يرحمه..نياله إلى الجنة حَدِف ..يا ريتنا نموت ميتته ..وشتم الإنجليز والدعوة الى الله أن يأخذ أرواحهم".
وقعت على الأرض غير قادرة على حمل نفسها فسحبتها قريباتها إلى خيمتها وقدمن لها الماء واللبن ..فشربت الماء ورفضت اللبن.. تعتقد انها غابت عن الوعي لبعض الوقت فقد علمت عندما أفاقت أنه تم تجهيز القبر وتكفين الشهيد وبدأ الرجال يستعدون لحمله إلى مأواه الأخير..حاولت مرافقتهم لكنها عجزت.
اكرام الميت دفنه ..طبعا يتم دفن الشهيد دون غسل، قاموا بدفنه في الخضيرة في أرضها الطيبة..ولكم أن تتصوروا ما حل بها وبالعائلة وبالقبيلة من حزن وغم..خصوصا وقد بدأ البعض يشك في الآخر لمعرفة الجاسوس، فوجود جاسوس في القبيلة كان وصمة عار لا يسلم منها أحد.
فالجاسوس مخلوق نجس هان عليه ابن بلده وخان العيش والملح ووضع يده مع الأعداء وسلمهم أحسن شباب القبيلة.
يتلو إسماعيل لوالدته الآية الكريمة" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون" صدق الله العظيم.. ويضيف وهو يتهدج لما أصاب والدته. ولا يهمك يا أمي، خالي شهيد والان هو في الجنة..تنظر اليه وتقول بصوت خفيض "ان شاء الله".
قال أبو عماد لضيوفه الذين هزتهم الحكاية وجلسوا صامتين باكين ، منذ ذلك اليوم وأمه ترتدي الأسود، يضيق صدرها لأتفه الأسباب، ولا تطيق اللون الأحمر وهكذا مرت سنون عمرها تنتظر الإنتقام لدم أخيها.
تتأوه الحاجة فاطمة وتقول:" يمكن اليهود رموا عظماته وعظمات مرته وطفله في البحر، فهم لا يحترمون لا الأموات ولا الأحياء .. وها انا كملايين النسوان الفلسطينيات ممن لوعهن فراق أحبائهن بالقتل أو الرصاص أو الإغتيال.. فالموت يطارد شبابنا حتى في أرحام أمهاتهم.. مثلي مثل سيل المنكوبات اللائي نشاهدهن يوميا على شاشات التلفزيون الجائحات النائحات الباكيات.. فمتى ينتهي هذا الكرب.. " والله يا ربي شبعنا هموم..يكفينا وارحمنا يا أرحم الراحمين".
* تردد اسم الخضيرة أكثر من مرة منذ العام 1993 وكذلك الأعوام 1994 ، 2000 ، 2002 ، 2005 في وكالات الأنباء حيث تمت فيها عمليات فدائية قتل نتيجتها الكثير من الصهاينة كما استشهد عدد من المناضلين الفلسطينيين منهم محمد عمارنة، رأفت سليم أبو دياك وحسن أبو زيد في حين ما زال المناضلان سعيد بدارنة وظاهر ربحي محمد قبها في السجون يقضون عقوبات لست مؤبدات.