شهيد من الخضيرة (26)
وكان اليوم الموعود، لا تذكرتاريخه ولا اسمه الآن ولكنه ربما يوم أحد أو إثنين ..جلست تنتظر باب السجن، الى أن جاء جندي يطلب منها الدخول. جرت على غير هدى تتلفت يمينا ويسارا فشاهدته يقبل من أحد الأبواب بتلك البلدلة المخيفة.. تعبر عن ضيقها باللون الأحمر وتقول أنها ومنذ ذلك اليوم لا تحبه ولا تدخله بيتها وتكره كل ما يعنيه .. سمحوا لها بالجلوس معه بعض الوقت فقبلته وقبلت رأسه ويديه، وجثت على قدميه وهو يرفعها ويقبلها بدوره؛ يقبل يديها ويتأمل وجهها ويرجوها ان تترفق بنفسها؛ وأن تدعو له بالجنة؛ فهذه الشهادة يتمناها ويرجوها كل مسلم؛ وكل مجاهد، لماذا يجاهدون إذن.
 
ثم انه يموت في سبيل وطنه لا لجريمة ارتكبها ولا لجنحة اقترفها..إفتخري يا فاطمة..إفتخري بأخيك..راح فداء وطنه..هي فلسطين التي تستحق أن نموت من اجلها..لماذا خلق الله الشباب أليس للجهاد والدفاع عن الأرض والوطن والشرف والعرض..يعني لو كل واحد بقي جالس في بيته ..من يقاوم ويناضل ويقهر المحتلين..هل كنت ستفخرين بي لو بقيت نايم في فراشي مثل النسوان..هذا قدرنا ولا أحد يهرب من قدره.
 
بقي يواسيها ويحاول تهدئتها بينما جفت الدماء في عروقه، وبات لونه أصفرا كالكركم، الى أن جاء السجان ومعه ثلاثة جنود أخذوا يسحبونه من بين يديها وهي تتشبث به، تصرخ بهم أن يتركوه، تمد يديها أكثر ما تستطيع، تحاول حمايته بجسدها الصغير، ووسط هذه الالام التي لا يقدر عليها بشر سحبوه من بين يديها ..وذهبوا به وهو يصرخ بهم و يتلفت نحوها يوصيها بنفسها والأولاد كما كان يفعل دائما.
 
ساعات طويلة كالدهر .. رهيبة كجهنم.. مخيفة كالموت؛ تتمناها لكل انجليزي في هذا الكون..  ساعات لا تنتهي، كلما فتح الباب جزعت وكلما دخل أحدهم همت بالوقوف...وكلما سمعت صوت تتنبه الى أن جاء .. جاء من يسحب عربة وفوقها جسد انسان.. توجهت الى الجسد تهزه تكلمه.. تحضنه، ولكن ما الفائدة، كانت روحه الطاهرة قد صعدت الى باريها... تمت عملية الشنق وانتهى أمر محمد..فأخذت تصلي على روحه، وتطلب من الله أن يرحمه ويدخله الجنة ويعذب الظالمين ويفنيهم من الوجود.. طبعا.. طبعا سيدخل الجنة، شاب في عز شبابه ومجاهد وشهيد.. كيف لا يدخل الجنة..بما انه ليس يوم زيارة فلم يتواجد أحد من الناس الذين تعودت رؤيتهم .
 
سحب أحدهم الحمالة خارج السجن وسألها:
- وين بدك تروحي فيها ؟. 
- فردت عليه :
- على ظهر حماري ..وأشارت الى حيث يقف الحمار. 
- روحي جيبي الحمار لهون.
ركضت كالمجنونة وأحضرت الحمار، وألقت فوقه الفرشة..خافت أن لا تتحمل أضلاع الشهيد صلابة ظهره.. فساعدها الجنود بالقاء جثة أخيها فوقه. غطتها بما لديها من حوائج؛ وبما بقي من ملابسه التي سلموها اياها وحملت طفلها فوق ظهرها ومشت.
 
-  الله أكبر شنقوه..هؤلاء المجرمين لا رحمة في قلوبهم..قالت المهندسة رحاب وهي تتشغنف وتبكي.
-  حتى المشانق أرحم من الإنجليز..حتى المشانق بكت على الشباب الفلسطيني..حتى المشانق ضجت من الظلم والقسوة والإضطهاد..والله المشنقة لو بتتكلم لصرخت باكية على شبابهم وأهلهم وأمهاتهم..إللي شفناه ما حدا شافه..ويا ريت حصلني على شيء..ردت الحاجة فاطمة  بأسى.
 
ماذا تقول، وماذا تشرح..سارت مكلومة الفؤاد ضائعة، كسيرة الخاطر، مشتتة الأفكار كان الوقت عصرا، وغابت الشمس سريعا وكأنها كانت هي الأخرى تودعه ولا تريد رؤية ظلم البشر .. مشت في الطرق الوعرة وحدها؛ مع حمارها وطفلها، وجثة أخيها تتدلى فوق الحمار، تكلمها كما كانت تفعل في حياته؛ تقبلها كما فعلت قبل ساعات، تتخيله يرد عليها ويسمعها، خيّـل اليها انه يهم بالنهوض لمساعدتها بحمل جثته...من غريب ما تتذكره أن الطريق رغم كثافة الأشجار حولها كانت صامتة لا حراك فيها لم تسمع عواء ذئب أو مطاردة وحش وحتى الضبع الذي كانوا يدعون مرافقته للناس في ظلام الليل لم يظهر هو الآخر..احترم الكون مصيبتها وصمت كل شيء إحتراما لروح الشهيد. 
 
 
 
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق