يخطئ المسؤول عندما يحاول نثر التفاؤل بأي شكل، حتى لو غاب المضمون. وفي واقعنا العربي، ومثله الأردني، يتسع نطاق المناورة لدى المسؤول لإقناع من يكابد أوضاعا معيشية قاسية بأن المشكلة ليست في معاناته المتفاقمة، وإنما في كيفية النظر إليها؛ لنخوض مجددا في جدلية التفاؤل والتشاؤم، ونصف الكأس الفارغ والممتلئ.
حديث رئيس الوزراء، د. عبدالله النسور، خلال لقائه الجمعية الأردنية للأعمال، لاسيما بشأن تحقيق "إنجازات مبهرة"، يحتاج إلى إعادة تعريف لمفهومي الإنجاز والإبهار، خاصة في حلتهما الاقتصادية. فالاقتصاد بالنسبة للأردنيين ليس احتياطات أجنبية فحسب، ارتفعت من 5 مليارات دولار أواخر 2012 إلى 13 مليارا مع نهاية 2013؛ بل هو واقع ذي صلة بالتضخم والمديونية والفقر والبطالة، وضيق الأفق بالنسبة لأرباب الأسر.
قال رئيس الوزراء في ذاك اللقاء: إن "كل المؤشرات الاقتصادية بالاتجاه الصحيح". لكن الواقع المعاش يقول عكس ذلك تماما. وإذا توقفنا عند خطة الرئيس التي لخصها بقوله: "أزلنا الدعم عن المشتقات النفطية، ولن يبقى هناك دعم باستثناء دعم الخبز"؛ فإن هذه "الخطة" جاءت على حساب مزيد من الانفلات في أسعار السلع والخدمات، ودفع ثمنها المواطن بقدرات شرائية تتضاءل يوميا.
كذلك، فإن الاتفاقيات التي وقعتها الحكومات مع شركات للتنقيب عن النفط والغاز ولاستغلال الصخر الزيتي، لم تفض إلى نتيجة يشعر بها المواطن. كما سلكنا درب مشاريع تسخير الطاقة الشمسية، فوصل عدد الشركات المحال عليها عطاءات بهذا السياق إلى 20 شركة. لكن حتى اللحظة لم تحسم البلاد الجدل بشأن ما إذا كنا نريد طاقة شمسية، أم استخراج ثروات الأرض، أم الدخول في برنامج نووي!
وبسبب مأزق الطاقة هذا، تدخل الدولة مسارا شائكا من الاستدانة، وسط توقعات بوصول المديونية الأردنية إلى 30 مليار دولار بحلول نهاية العام الحالي، تشكل نحو 90 % من الناتج المحلي الإجمالي.
في متوسط دخل الفرد، كشفت مجلة "إيكونوميست" البريطانية أن الأردن يحتل المرتبة العاشرة عربيا على هذا الصعيد، متفوقا فقط على السودان وموريتانيا وجيبوتي وسورية ومصر واليمن، التي يعرف الجميع الأزمات ومراحل التحول التي تمر بها. ويبلغ هذا المتوسط في الأردن ما لا يتجاوز 300 دينار شهريا، في مواجهة موجات غلاء لا تتوقف. وتفيد التقارير المستقلة بأن ثروة الأردنيين تتركز في يد 9 % منهم فقط. كما تؤكد الأرقام الرسمية أن 72 % من مشتركي مؤسسة الضمان الاجتماعي يحصلون على رواتب شهرية تقل عن 450 دينارا، بما يشير إلى أن ثلاثة أرباع الشعب الأردني يعيش في واقع أقرب إلى الفقر، بحيث يستطيع رب الأسرة بالكاد سداد التزامات عائلته المتزايدة.
ولعل الأزمة الأكثر خطورة تكمن في أن البطالة بين الشباب في الأردن هي من بين الأعلى في المنطقة العربية وبنسبة 30 % نهاية العام الماضي، فيما النسبة العالمية تراوح حول 12 %.
حجم الحكومة المتورم هو سبب أزمتي العجز والمديونية. والترهل أحيانا لا يتناقص بل يزيد. وقد اكتفى رئيس الوزراء بالقول حيال ذلك: "حجم الحكومة كبير مقابل إنتاج قليل".
الأمر في مجمله يحتاج إعادة تعريف للإنجاز والإبهار، وأن نتواضع قليلا لنرى أكثر من نصف الكأس الفارغ.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حسن احمد الشوبكي