شهيد من الخضيرة (22)
وفي يوم ثلاثاء تذكره وكأنه غدا..غدا الثلاثاء على ما أظن..تساءلت الحاجة فاطمة ، فهزت المهندسة رحاب رأسٍها موافقة، كان الطقس أفضل، بدأت الشمس تظهر وتشتد حرارتها والربيع يملأ الأرض والمواشي، الأمهات والرضع تملأ الأرجاء.. كان إسماعيل في الخامسة من عمره ، وعمر إبني جميل ستة أشهر، كنت في الحظيرة مع إبن عمي نجهز العلف للغنم، سمعنا أحد أبناء العائلة ينادي، خرجنا ننظر فرأينا معه شخصا غريبا..أو زياد، جاء يخبرهم ان محمد موجود في سجن صفد وأنه يريد رؤية أخته.. سألته الحاجة فاطمة من يكون فأخبرها أنه أحد المساجين المفرج عنهم وأخذ يحدثها عن خصائل محمد ومحبة المساجين له ..هزت رأسها وقالت: بدك تكلمني عن محمد ..حجارة الأرض تحبه..وأضافت يعني يا خوي يمكن يفرجوا عنه أيضا كما فعلوا معك..طأطأ الرجل رأسه ثم قال : والله مشكلة محمد كبيرة يا أختي أنا مشكلتي كانت مجرد طوشة مع بعض أهل البلد أما محمد"، سكت قليلا ثم أضاف: "الله يكون معه..إدعي له يا أختي". فردت: " والله لساني حفي من كثرة ما أدعو له".. تناول الرجل طعام الغداء وحمّلته أم إسماعيل الجبنة والزبدة واللبن وبعض الخضروات ملأت له سلة بما لذ وطاب..كانت منفعلة وهي تملأ السلة تريد لو استطاعت توسيعها لأكبر حجم ممكن..وطلبت منه العودة ثانية لأنها تريد أن تحمله خروفا أيضا لقاء خدمته التي لا تقدر بثمن..كيف لا وهو صديق محمد الغالي.. "الحمد لله أخيرا وصلنا الخبر، يا حبيبي يا خوي..يا حبيبي يا حبة عيني أخيرا ظهرت وظهرت علومك..الحمد لله.. ياما انت كريم يا رب".
 
تنهدت المهندسة رحاب " الحمد لله..لقيتوه" فردت عليها الحاجة فاطمة.."وشو الفائدة..أنا جاييكي بالحديث".
 
لم تكن المسافة بين صفد والخضيرة بعيدة. حزمت أمتعتها ، ومع عدم وجود سيارات؛ مثل اليوم، وعدم توفرالمال، كان الحمار وسيلة مواصلاتهم.. ركبته ووضعت جميل في حضنها وتوكلت على الله..لا تتذكر كم أخذتها الرحلة من الوقت، فقد شغلها أمل رؤية أخيها عن عد الساعات ..لكنها تتذكر أنها خرجت بعد صلاة الصبح، ووصلت مع أذان العصر ، فوجدت موعد الزيارة انتهى.
 
قضت ما تبقى من النهار وتلك الليلة، في زاوية من شارع قريب من السجن، في حماية حمارها وقد لفت ولدها بثوبها جيدا.. معتبرة أن تحسن الطقس رحمة من الله تعالى بها.. في صباح اليوم التالي توجهت الى باب السجن يسبقها قلبها الملهوف الذي يخفق بشدة، عيناها متوهجتان ولسانها يلهج بالدعاء. وقفت في المكان المخصص للزوار كانت أول الصف تنظر للزائرين الذين جلسوا صامتين ينظرون إلى الأرض أحيانا وإلى السماء أحايين، ينتظرون أحبابهم ، نظرات الحيرة والإنكسار والهزيمة ترتسم على وجوههم والمسابح بأيدي الرجال يسبّحون ويتنهدون. أما النساء وكن كثر فمن تبكي ومن جلست صابرة محتسبة ومن تتمتم في سرها كلاما لا يعلمه إلا خالقها.. اصطحبوا معهم بعض أبناء المساجين وأطفالهم..آه لو كانت عايشة حية وولدت إبنها حيا لكانت أحضرتهم معها هي ايضا..بس يا حيف..الله يرحمهم..عند خالقهم أحسن من العذاب الذي يعانيه الفلسطينيون مع هؤلاء الأوغاد.. بعد أن تأمل الشرطي الوجوه وأمرهم بالوقوف بانتظام وأظهر الكثيرمن الغلظة وسوء الأدب فتحت الأبواب وتسرب منها المساجين ..كانوا في لهفة لرؤية أحبابهم ..محمد هلّ مسرعا مشرقا باسما كعادته ..جميلا بملامح الملائكة.. كيف تصف ما حلّ بها وهي تراه ينظر الوجوه..صرخت بأعلى صوتها " محمد..محمد..أنا هنا". رآها فابتسم ابتسامة عريضة وصاح: فاطمة..أختي حبيبتي كيف حالك كيف جئت هل معك أحد؟؟ غلبتك يا غالية. من جاء معك؟
أنا جئت لوحدي هالمرة لم أستطع الإنتظار قمت من نص الليل حتى ألحق الزيارة ..المرة القادمة إن شاء الله سيأتون..
يعني وصلكم الخبر..والله فيه الخير أبو زياد ما أخلف وعده..الله يبارك فيه.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق