شهيد من الخضيرة (21)
 
شهقت المهندسة رحاب وقالت:
-  يا الله من وشى به ..هل عرفتم الجاسوس؟.
ردت عليها الحاجة فاطمة:
-  طبعا سيكون واحد منا..حتى لو عرفناه ما الفائدة..انتهى الأمر أمسكوا به كالذئاب السعرانة وساقوه الى مصيره..مكبل اليدين وفي رجليه جنزيرين طويلين يجرجربهما ويخرجان صوت جلجلة تهرس عظامي.
توقفت قليلا ثم أكملت نحيبها:       
كلهم أبطال ..كلهم مثل بعض..ما يخافون الموت، ولا يهابونه.
تضيف :
لحقت بهم، وكذلك فعل زوجي وعمي وباقي أهلي، أصرخ وأبكي، أتوسل..وأتفعفل على الأرض وأصيح أخي .. أخي .. أتركوه منشان الله .. أتركوه ليس لي سواه .. يكفيه ما به من مصائب .. يكفيه وفاة زوجته وولده..خلص رايح يتوب وما راح يقاتلكم..والله هو قال لي أنه لن يعود لقتالكم، لن يعود، إعملوا بي ما تشاؤون لكن إتركوه في حاله.. لكن محمد نظر الي وصرخ قائلا "بس يا فاطمة عيب هذا الكلام..رايحين نقاومهم لآخر يوم في حياتنا". فضربه أحدهم على ظهره الله يكسر إيده وين ما هو" وقال له "إمشي..إمشي.."
الإنجليز، أخبث الشعوب وشرمن وجد على الأرض..دفشني أحدهم فوقعت على الوحل فنظر محمد اليه وقال:
-   ما تتشطر عليها أنا معك أتركها يا كلب.
أدار وجهه نحوي ثم قال :" ارجعي يا أختي ارجعي ما في فايدة.." وأخذ يوصيني بصوت عالي "ديري بالك على حالك وعلى ابن العم والأولاد ديري بالك على صحتك". 
 
"وأي صحة وأي بال بعد ما رأيت..صحة قال ..شو فائدة الصحة بعد محمد.."
 
انقضت أيامها في هم وغم وكرب لا مثيل له، تفكر بأخيها؛ وبما ستؤول اليه حاله وما ينتظره من ظلم الإنجليز.. تجوح وتنوح طيلة الليل والنهار، تقضي ليلها ساهرة ونهارها ساهمة..تتجمع القريبات حولها، يحاولن مواساتها والترفيه عنها، ومساعدتها في أعمالها الكثيرة لكنها لا تنظر ولا ترى ولا تسمع أي منهن..فكرها مشغول وقلبها مهموم.
 
همدت الحاجة فاطمة وهي تستعيد الذكريات المؤلمة، وخفت صوتها وخيل للمهندسة رحاب أنها غفت فهمّت بالنهوض ووداع المضيفين لكن الحاجة صحت وقالت: "لم أكمل قصة أخي بعد..تفضلوا اجلسوا".
 
من سجن الى سجن ومن معتقل الى آخر ومن مدينة الى أخرى ومن مسؤول الى غيره حاول زوجها وعمها معرفة مكانه سألوا الرايح والجاي أيام طويلة لا تبدو لها نهاية .. شهر ..شهرين ثلاثة .. بدأ الطقس يتحسن والدفىء يعم، والشمس تسطع..يعني صاروا تقريبا في بداية الربيع. 
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق