شهيد من الخضيرة (20)
بكت المهندسة رحاب وهي تستمع للحاجة فاطمة وعلقت:
-  للأسف نحن لا نعرف الكثيرعن تاريخ أبطالنا، والله لولا مشاويرك يا حاجة؛ ما كنت عرفت شيء عن أخوك وأمثاله .. الله يرحمهم.
فردت عليها الحاجة :
-  الحكومات لا تريدكم أن تعرفوا تريدكم أن تظنوا ان أهلكم باعوا بلادكم وهربوا ،علشان تضلوا موطين رووسكم..تصوري لو أن الشباب من أمثالكم عرفوا هذه البطولات..كان تحمسوا وشبت فيهم نار الثورة والوطنية لكن عندما لا تعرفون أي أخبار عن هالشرفاء والمجاهدين؛ تقولوا والله فلسطين ما كان فيها رجال..لا والله ما فشروا والله فلسطين كانت ملانة رجال..بس للأسف الخيانة دمرتهم.
 
"في مسجد الخضيرة تعلم محمد القراءة والكتابة .. والله نسيت اسم الشيخ الذي علمه الله يجازيه كل خير..والتعليم في تلك الأيام بالبيض أو بالخبز أو بشوية سمنة أو عسل وحتى البرغل أو الطحين هالموجود يعني ..وليس بالفلوس مثل اليوم.. ..ومرة سافر الى القدس وجاء بمصحف كبير..يحمله معه دائما، ويحمل قلم ودفتر يكتب فيه، وعندما أسأله يقول أنه يكتب الحسابات...طبعا واحدة أمية مثلي لا تعرف ماذا يكتب، لكن هذا الكتاب وقع في يد أحد الجواسيس وسلمه للإنجليز..الظاهر أنه كتب مذكراته؛ أو أخبار المجاهدين أصحابه والأسلحة التي كانت بحوزتهم وأشياء كثيره عن جهاده ضدهم، لأنهم بعد أن قبضوا عليه اعتبروه شاهدا عليه في المحاكمة.. بعد أسبوع رجع محمد ويا ريتو ما رجع.. يا ريتو بقي هاربا أو مسافرا..يا حسرة قلبي..رجع يتفقدني ويزور قبر زوجته ويطفيء نار قلبه قليلا".
 
تلوم الحاجة فاطمة نفسها لأنها كانت تلحّ عليه العودة، وأيضا لأنه جاء ليطمئنها عليه ويزورها ويخفف من هلعها.. دخل الخيمة يفرفك إيديه من البرد، سلم عليها وعلى زوجها،ثم  اندس تحت الفراش الدافىء وأسند رأسه إلى مخدة بجوار جدارها، أغلقت بابها وبدأت تعد الطعام ..لم تشعر بأي حركة ولم تسمع صوتا ولم تلحظ طارئا .. بكل هدوء، أحاطوا مضاربهم تماما وتعذرالإفلات هذه المرة، حاولت اخفاءه بين الملابس، في صندوق الثياب وراء الخيمة وراء ظهرها ..يا لهول ما ألم بها أين تذهب به .. يا رب الهمها ..أين.. فليس لديها إلا القليل البسيط من العفش الذي لا يداري أحدا، وكالعفاريت قفزوا داخل الخيمة وهجموا على محمد يمسكون به، يصفعونه على وجهه الجميل، ويربطون يديه بحبل سميك ..يشتمهم ويسبهم " يا كلاب.. يا خونة.. روحوا على بلادكم ..أتركونا نعيش في بلادنا ..ماذا عملنا لكم لتعطوا بلادنا لليهود.." يرد عليه الإنجليزي " أسكت ..أحسن لك ..أسكت أحسن لك يا محمد ما تكاوم ..ما في فايدة..من زمان وإحنا ننتظر القبض عليك..إهدأ" يحاول مقاومتهم ورفصهم بأرجله وكتفيه، ولكن الكثرة غلبت الشجاعة.
ربطوه وساقوه أمام عينيها يجرونه بالحبل ويحيطون به من كل جانب..كالحيوانات المفترسة .. هجمت فاطمة كاللبؤة تصرخ وتقاوم ، تحاول تخليص أخيها من يدي الجنود، بينما هم يشدونها ويبعدونها عنه وزوجها يحاول حمايتها من ضرباتهم..  طبعا الضابط أراد أن يبيض وجهه مع رؤسائه ويحصل على ترقية يمكن..طلع من الخضيرة رافعا رأسه الكبيرة عاليا ..أسر البطل أمسك به حيا يرزق.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق