شهيد من الخضيرة (18)
صرخت المهندسة رحاب بحزن شديد..وأخذت تبكي بحرقة.."يا الله ..الله يساعده.." نظرت اليها الحاجة فاطمة وقالت باستغراب:" الله يساعده ما هو مات..شنقه الإنجليز".
مسحت دموعها وأخذ الجميع بمن فيهم الحاجة فاطمة يهدئونها ..وتدخل أبو عماد وطلب من الحضور تناول الشاي ..
خلص يا أمي يكفي الى هنا .. الله يرضى عليك..خلينا نجلس مع الضيوف شوي.
 لكن المهندس ثامر أراد أن يستمع لما تبقى من الرواية.. وشاركته الرأي زميلته..
 
انهار البطل محمد فأجلسوه على الفرشة وراحوا يهدؤونه .."الله يرحمهم يا خوي ان شاء الله بكرة بتتزوج والله بيعوضك ..هذه ارادة الله ".
 
قصت عليه حكاية عائشة مع الولادة، وكم تعذبت وهي تضع مولودها، وكيف عملت الداية جهدها دون جدوى ..أقسمت انهم حاولوا استطاعتهم،  ولم يتركوا شيئا الاّ عملوه وان جهودهم فشلت أمام القضاء والقدر، خشيت أن يظن أنهم قصّروا أو أهملوا بعائشة أو بالمولود ..طمأنها بانه يثق بكلامها ويعلم تماما انها لم تقصّر..فجلس على ركبتيه وأخذ يبكي وينتحب بصوت خفيض كمن يخشى ان يسمعه أحد. وعندما استوعب الخبر مسح دموعه وقال" الحمد لله .. الحمد لله.. يمكن هيك أحسن". 
"شو يعني يمكن هيك أحسن...."استغربت الحاجة عبارته، لكن استغرابها طار مع سؤاله عن الجنازة من حضرها، وكيف كان الطقس أثناءها، وان كانوا كفنوهم بقماش جديد وصلوا عليهم منيح !! أجابته بما شفى غليله وحاولت مواساته قدر استطاعتها، أمام فجيعة أكبر من أن تحتمل .. بعد أن هدأ قليلا أخبرها بحقيقه عمله، وأنه التحق بالمجاهدين، وأنه قادم ليودعها، فقد تقرر ارساله الى بغداد مع بعض رفاقه لإحضار بعض الأسلحة للمناضلين ..الجمها الخبر الذي كانت تهرب منه، وغاص لسانها في حلقها ونظرت إليه ترتجف تجاهد لإخراج صوتها، ويدها تنتفض ورأسها بات بحجم الطبل، وأخيرا صرخت ..لا..لا..ولم تستطع التعقيب أكثر..فأشارعليها زوجها بالسكوت..
أريد زيارة القبر.. قال محمد.
لكن الدنيا ليل ومطر يا خوي.. ردت عليه.
معلش..لازم أزور القبر..قولي لي أين مكانه.
وقف وهمّ بالخروج وحيدا فوضعت على رأسها جاعدا كبيرا وأعطته آخر، وخرجا ليلا والمطر ينهمروالبرد يقصف العظام.
 
وسط المطر والطين؛ انكفأ على قبرها؛ وأخذ يرجوها أن تسامحه وأن تدعو له وأنه يقوم بواجبه.. يتهدج ويبكي ويبكي، دون توقف وهي تبكي معه..حاولت تهوين الأمرعليه، وأن الله سيرزقه زوجة أخرى، وأنه اذا استقر فستسير الأمور جيدا .. لكنه قال :
- إنت مش عارفة يا فاطمة، رايحين يطردونا من هون مسمعتيش عن وعد بلفور .. الدنيا قايمة قاعدة، والناس الله يعينهم مش عارفين شو يعملوا.. حالة عايشة أحسن من حالتنا، على الأقل ستبقى هنا في أرضها ..في قبرها في فلسطين..أما نحن فلن نجد حتى القبور.
 فهتفت بدهشة:
-  شو بتقول مين بقدر يطردنا وحـّد الله يا خوي واقعد واهدأ..وين بدنا نروح ..هذه بلادنا ..والله آخر سُمعة..عمرنا ما سمعنا أن الناس يُِطردون من بلادهم ..يطردونا قال..شو يا خوي اسم الله عليك وعلى عقلك..اطمئن يا خوي ما في أشي من هالكلام..رايحين نعيش ونهدأ ونستقر.
-  يا ريت يا فاطمة يا ريت نعيش مثل باقي خلق الله ويتركونا في حالنا..اذا رجعت من هالرحلة رايح أقعد معك شوي.
-  ليس شوي ..أريدك أن تقعد وتترك ما أنت فيه..خلص يكفي..توقفا عن الكلام وصمتا كصمت القبر الذي يحيطان به. يرتجفان من البرد، يقرآ عن روحيهما الفاتحة يلوم نفسه على ما جره على أخته من هموم " ما لي غيرك في هالدنيا يا فاطمة حمـّـلتك همومي كلها".
 
رجعا قبل أن يشق الفجر ساعات ليلتهم الحزينة فطلب منها تركه يبيت ما تبقى منها في خيمته في فراش المرحومة زوجته، يستذكرها ويستذكر أيامه القليلة معها يقبـّـل ملابسها ويغمر وجهه في ثوب عرسها .. أبتُ أن تتركه، فتكورت بالقرب من رأسه تحمي نفسها من البرد بغطاء رأسها السميك والجاعد.. كانت في وضع لا يوصف من الهم والكرب، وهي ترى أخيها وقد فقد ولده وزوجته وانطوى على نفسه، جالسا على قفاه ضاما ركبتيه الى صدره وممسكا رأسه بكلتا يديه..تتأمله.. لا تعرف ما تخبؤه له الأيام..عادا الى خيمتها عله يأكل شيئا فوجدا أبو إسماعيل قد اعد الحليب الساخن وشوية خبز وزبدة، سهرمعهم وبدأ يحدثهم كلاما كثيرا إعتقدته فاطمة هلوسة ..أنصتت ولم تعلق حتى لا تزعجه..أرادت أن يخرج كل ما في صدره ..لعل وعسى..يسمع نصائحهم ويبقى معهم..
-  إذا كان الأمر كذلك يا خوي وكل شيء معروف..والنهاية معروفة أيضا لماذا لا تقعد وتسكت.
رد عليها بغضب:
-  ولو يا فاطمة إذا إحنا ما قاومنا..من يفعل إذن؟ ويقولون عنا جبناء تركنا بلادنا لليهود والإنجليز..الموت أهون علينا من هذه التهمة البطالة..المجاهدون منتشرون في السهول والوديان والقرى والمدن..بالمئات وكل واحد منهم مستعد للموت بأي لحظة..علىالأقل نعمل شيء..لا ان نسلمهم بلادنا بالهين المستريح.
 
أكلوا وشربوا حليب المعزة التي كان يفضلها على باقي أخواتها ..وبعد حوالي الساعة نهض سريعا رافضا أخذ أي طعام معه.. ودعهم وطلب منهم كتمان أمر زيارته لأن الجواسيس موجودين بين أواعيهم كما قال..رجته أن لا يذهب، توسلت اليه، بكت، وجثت على قدميه ولا فائدة ..عانقها وزوجها والآولاد ورجاها أن لا تتبعه.. خرج من تحت شادر الخيمة ..فجلست تبتهل الى الله؛ أن ينجيه ورفاقه وكل المجاهدين، ثم جلست مع زوجها صامتين لا يتكلمان وقد روعتهما الأحداث.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق