وصلتها فاتوروتيْ كهرباء الأولى بقيمة سبعين دينارا ، والثانية بخمسة وتسعين دينارا ، غادرت البيت على عجل لمراجعة شركة الكهرباء ، فهي لم تعتد إلا تلقي فاتورة بعشرين إلى خمسة عشر دينارا فقط ، وفي الأثناء وصلتها مكالمة من جارتها تقول أنهم جاؤوا وغيروا قفل البيت وأغلقوا باب العمارة بالقفل ، وذهبوا،.
للوهلة الأولى لم تعرف رندة أبعاد ما جرى ، ولم تكن تدرك أنها هي وخمس عائلات سيكونون من أوائل ضحايا تطبيق قانون الإيجار والاستئجار الجديد ، وأنهم سينامون ابتداء من تلك اللحظة في.. الشارع،.
كنا طيلة الوقت نتحدث عن العائلات التي سيُرمى عفشها في الشارع ، نتيجة تطبيق هذا القانون ، لكننا لم نكن نعرف أنه لن يكون في وسع هذه العائلات حتى الحصول على "غياراتها" وأشيائها اليومية ، إلا عبر المحكمة كما قيل لها،.
قالت لي رندة وهي في حالة ذهول ، أنها تنام في السيارة منذ ثمانية أيام ، فقد جاء محضر المحكمة وإحدى مرتبات الشرطة النسائية ، واثنان من مُلاك العمارة ، وطردوا سكان خمس شقق إلى الخارج دون أن يمهلوهم دقائق لأخذ حاجياتهم ، أما رندة فكل أغراضها وملابسها وجواز سفرها ومتعلقاتها الشخصية وراء الأبواب المغلقة ، ويرفض أي طرف أو جهة تمكينها من الدخول إلى منزلها لأخذ أشيائها ، استأجرت بيتا جديدا لكنه بلا عفش ، ولهذا فهي تركن سيارتها في كراج البيت وتنام فيها ، وقد استضافت قبل أيام في سيارتها جارتها وهي أسرة مكونة من الأم وأربعة أطفال ، من ضحايا العمارة غياها ، تناوبوا على النوم داخل السيارة ، بقية "الضحايا" كما قالت لي أوضاعهم مزرية: الأولى نامت هي وأولادها عند أخيها الذي لم يحتمل أولادها فطردها ، العروس تنام عند صاحبتها وتدفع لقاء الليلة خمسة دناينر ، أما العريس فينام في ورشة الدهان ، المطلقة التي تأخذ نفقة من زوجها دنانيرمعدودة تتنقل كل يوم من بيت إلى بيت،.
حينما حاولت الأخيرة مراجعة المحكمة طلبوا من ابنتها بطاقة الهوية فقالت أن البطاقة وكل الأوراق محجوزة في الشقة ، وجاءت من أجل فك الحجز ، لم يستمع إليها أحد وتم طردها لأنها لا تملك ما يثبت هويتها،.
بداية القصة كما تبين لرندة التي استأجرت البيت عبر مكتب عقاري ، أن العمارة يستأجرها أحد المستثمرين ، الذي أجر الشقق للأسر بأجرة تدور حول المائة دينار للشقة ، قبل أسبوع من طردهم جاءهم انذار من مالك العمارة بإخلاء الشقق ، وحينما راجعوا الرجل الذي أجرهم ، طلب من كل واحد منهم مائتي دينار وعقد الإيجار لرفع قضية - كما قال - ثم عاد إليهم وقال أنه أوقف تنفيذ الإخلاء وأن القضية ستستغرق خمس سنوات ، وبعد أسبوع وقع ما وقع،.
القانون على الرأس والعين ، ولكن السؤال المحير: كيف يتم وضع اليد على بيوت ناس دون تمكينهم من أخذ متعلقاتهم؟ هل هم فعلا أولى ضحايا تطبيق قانون الإيجار الجديد؟ هل سنشهد مزيدا من الأسر في الشارع بلا مأوى؟ بالمناسبة ، طلب مالك العمارة ممن يريد العودة لشقته إبرام عقد إيجار سنوي بعشرة آلاف دينار للشقة ، بعد أن كانت أجرتها الشهرية مائة دينار فقط،.
ثمة تفاصيل كثيرة في القصة لا يتسع المجال لذكرها ، ولكنها كلها تتحدث عن قصة تصلح مسلسلا تلفزيونيا مسليا ، ليعرض في رمضان كي ينافس أكثر المسلسلات إثارة،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور