لم ينته الحراك، بعكس ما يعتقد البعض من النخبة، رغم إخفاقه الواضح في أن يتحول إلى حالة شعبية عامة. والأدق القول إن غالبية الأردنيين يؤيدون مطالب الحراك، إلا أنهم يفرقون بين الاختلاف مع السياسات والتوجهات، وبين ضرورة أن لا يتعارض ذلك مع الحفاظ على مكتسبات الدولة والمجتمع وكيانهما. فلسان حال غالبية الأردنيين أنهم وإن اختلفوا مع سياسات الدولة، إلا أنها ما تزال دولتهم؛ لها ما لهم، وعليها ما عليهم. وهم يريدون تقويمها، لكنها تظل دولتهم التي يفتدون.
الحراك بهذا المعنى، وبهذا المعنى فقط، دخل مرحلة اللاعودة. وهو ما يُلزم الدولة وصناع القرار بأن يستمروا في العمل بدأب على مراجعة السياسات وتقويمها وتوضيحها، وتجنب أخطاء الماضي التي أثارت حفيظة الرأي العام. والمراجعة لا تعني الانقلاب على السياسات والتوجهات التي حملت الكثير من الخير للبلد، إنما المطلوب توضيح فائدة هذه السياسات، وترسيخ الثوابت والقيم السياسية لجعل غالبية الأردنيين مطمئنين إلى أن البلد يسير في الاتجاه الصحيح.
سلاحنا الأهم في مواجهة المحطات السياسية الأخيرة الصعبة كان الاعتماد على إرث الدولة من الإنجاز والمصداقية والاحترام للذات والتسامح، والتي بنيناها عبر عقود من الزمن. وثمة حاجة إلى ترسيخ هذه الثوابت، وتكمن أهم الفرص للقيام بذلك في الانتخابات النيابية المقبلة.
عدم التدخل في الانتخابات أمر قد حسم؛ إذ بات مصلحة عليا للدولة عدم التدخل، وترسيخ نزاهة انتخابية بددناها في محطات تاريخية سابقة بلا حكمة. وضرورات النزاهة تقتضي أيضا عدم التدخل السياسي في الانتخابات، إلا من قبيل التشجيع "غير المفرط" على الترشح والمشاركة، لأن التدخل بغير هذا المعنى سيُفهم على أنه محاباة لجهة أو شخص ما على حساب غيرهما، وسيؤلب منافسي هذا الشخص أو الفئة ضد العملية الانتخابية برمتها. إذ سيفهم من سيطلب منه الترشح للانتخابات أنه سيتم دعمه، وإلا فلن يترشح. والأرجح أنه، فردا كان أم حزبا، سيتوقع مردودا سياسيا من نوع ما. وهذا كله مضر بنزاهة العملية الانتخابية، والأجواء السياسية العامة.
الأغلبية البرلمانية لن تتحقق حتى لو زادت نسبة الترشح أو الاقتراع، والأسلم هو التعايش مع هذا الواقع السياسي، بدل أن تزج الدولة بنفسها في الطلب من أيّ كان الترشح وتشكيل كتل. ولتتعلم دولتنا درسا في أن من استثمرت فيهم ليدافعوا عنها الآن، حتى ولو من قبيل المشاركة بإقدامية في العملية الانتخابية، لم يكونوا يستحقون هذا الاستثمار؛ فجل هؤلاء، للأسف، يتعاملون مع الدولة ضمن معادلة المصلحة المتبادلة، لا بعقل رجال الدولة المتفانين في سبيل المصلحة العامة.
الدولة ليست حزبا. ومن ثوابتنا أنها نأت بنفسها، تاريخيا، عن أن تكون كذلك. ولذا، فلا يجوز لها التدخل سياسيا في الانتخابات؛ فهي دولة المشاركين والمقاطعين على حد سواء. وهي معنية فقط بخلق حالة تفاعل صحي مع العملية السياسية الإصلاحية. فإن لم تتشكل هذه الحالة بعفوية وبدون تدخل سياسي ستكون له تكلفته، فربما علينا مراجعة المشروع الإصلاحي لكي يكون أكثر تحفيزا.
بهذه الذهنية يجب أن نفهم الانتخابات، فذلك أسمى للدولة وتاريخها، ومن شأنه أن يعيد بناء النخب السياسية لتنخرط في العمل العام بدون انتظار منافع شخصية باتت، وللأسف، محورا أساسيا لعلاقات رجالات الدولة مع دولتهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د. محمد حسين جريدة الغد