مشهد أوراق الخريف وهي تتساقط مصفرة يوحي بالموت ، هذه صورة نمطية شائعة ، وكثير من الناس يتشاءمون لدى رؤيتهم لهذا المشهد "المأساوي" لكن حينما نضع هذا المشهد في سياق آخر يتحول إلى مشهد رومانسي موح ، يُشعل الخيال والوجدان ، ويصبح مصدرا ثريا للإلهام ، فالموت هنا يتحول إلى ميلاد جديد ، ومشهد تساقط الأوراق يصبح دلالة على التجدد ، واستعداد الشجر للاستحمام والتطهر مما علق به خلال العام ، لاستقبال المطر ، بكل ما يحمله من نماء للبراعم الجديدة والأزهار ، والروائح الفاتنة ، بل إن مشهد أوراق الخريف المتساقطة يغدو مطرا ذهبيا ، يفرش الأرض أمام المشاة ، كي يدوسوا على سجادة ذات ألوان جميلة ، وأنا شخصيا تستهويني الممرات المغطاة بالأوراق ، ويتحول صوت ارتطام الأقدام بتكسر الأوراق الجافة الممتدة في طرقات الغابات والحدائق إلى عزف موسيقي يبهرني ، ويبعث في نفسي شعورا عميقا بالتفاؤل والراحة،.
إذن ، نحن من نضفي على المشاهد من حولنا بهجتها أو حزنها ، تعاستها أو فرحها ، وبوسعنا أن نحيل موت الشمس في لحظ الأصيل ، إلى مهرجان فرح ، يبتهج بالليل وما يحمل من أسرار ، مودعا نهارا ضاجا بالحركة والتعب والإرهاق ، كما بوسعنا أن نحول لحظة مبهجة لميلاد الشمس فجرا إلى طقس لموت نهار ، فبدلا من أن نحتفل بهذا الميلاد ، نبتئس على رحيل الليل ، وانطفاء أنواره المتلألئة ، الفرح ينبعث من داخلنا ، كما كان القدماء يعتقدون أن النور ينبعث من العينين فترى ، إلى أن جاء عالم عربي وأثبت أن العين لا تُخرج ضوءا ، وإلا كانت ترى في الظلام ، أما العقل فهو الذي يشيع في المشاهد كلها ما يريد من مرح أو ترح ، ولهذا قال الشاعر قريبا من هذا:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
لكن عين السخط تبدي المساويا ، أي المساوىء،
وكما هو الحال في دنيا الرومانسية ، وأوراق الخريف ، ومشاهد الغروب والشروق ، هو حال حياتنا كلها ، فحينما نظل نردد أن العام القادم أسوأ من العام الماضي اقتصاديا ، فسيصبح هذا العام الذي لم يُطل بعد عاما سيئا ، لأننا صبغناه بهذه الصبغة سلفا ، ولم نبدأ بالتخطيط لتحسينه بدلا من الاستسلام لسوئه المتوقع ، وقل مثل ذلك عن تصرفات الأشخاص ، فكل منا يستطيع أن ينتقد مشهدا أو تصرفا ما بكلام لطيف محبب ، لا يستدعي النفور ، ولا يستجلب الخلاف والاشتباك ، كما يستطيع أن يمتدح تصرفا ما بعبارات منفرة ، يصبح فيها المدح قدحا ، شأن ذلك الشاعر علي بن الجهم حينما قدم على المتوكل العباسي ، فأنشده قصيدة مديح تحتوي الفاظا خشنة لا تليق بالمتوكل.
فعرف المتوكل حسن مقصده وخشونة لفظه ، وأنه ما رأى سوى ما شبهه به ، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة فيها بستان حسن ، يتخلله نسيم لطيف يغذّي الأرواح ، والجسر قريب منه ، وأمر بالغذاء اللطيف حوله ، فكان - أي ابن الجهم - يرى حركة الناس ولطف المشهد ، فأقام ستة أشهر على ذلك ، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده ، فحضر وأنشد:
عيون المها بين الرصافة والجسر.
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري.
فقال المتوكل: لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور