الاعتدال قوة اقتصادية في هذا الزمان المتقلب، والذي تقفز فيه الحظوظ قفز بطل أولمبي على جهاز "الترامبولين"، لقد شاهدنا كيف انتقلت مراكز اقتصادية لامعة وشخصيات أعمال فذة من مراكز اللمعان والبريق الى مواقع التعتيم أو النقد اللاذع.
 وتبين أن قاعدة "روديارد كيبنلنج " في قصيدته الشهيرة "إفْ " أو "إذا" بالعربية والتي تقول "إذا استطعت أن تحافظ على رأسك بينما تتطاير الرؤوس من حولك فأنت لا شك شخص ناجح وقدير".
ويقول الاقتصادي النمساوي الأميريكي اللامع جوزيف شومبيتر، عن الرأسماليين المخاطرين بأنهم أشخاص يرون ما لا يراه الآخرون من  فرص، ولا يبالون بحكم المجتمع عليهم، ولا يبالون جهداً في أن يطرقوا أبواب المجد والمغامرة حين يجفل الآخرون، إنهم جماعة خارجون عن المألوف، ولقد كنت أقول إن مثل هؤلاء هم "إخوة الجن"، فالواحد منهم يرى شيئاً ويتحدث عنه كأنه يراه، بينما الواقفون حوله يهمون بتلبيسه قميص الجنون ليقتادوه الى إحدى المستشفيات الخاصة بالمرضى في عقولهم.
ومن أمثال هؤلاء في تاريخنا وتاريخ الغرب كثيرون، وفي الأدب العربي يجسد "السندباد البحري" الشخصية الخيالية الأسطورية وروح المخاطرة  الفذة.
 ومثل السندباد آلاف جابوا المحيط الهندي وحولوا أجزاء شاسعة من جنوب شرق أسيا وجنوب آسيا الى الاسلام، وهنالك بالطبع العلماء الذين تحدوا المتعارف عليه أمثال ابن الهيثم في فهمه لعلم الضوء، وابن خلدون في تفسيره للتاريخ، والفارابي في قراءته للفلسفة، وابن رشد، وابن طفيل، وكذلك ابن البيطار، والادريسي، وجابر بن حيان، والخوارزمي، وغيرهم.
وفي الغرب أمثلة عن هؤلاء لا تعد ولا تحصى أمثال نيوتن، ودالتون، وماركوني، وأديسون، وجيمس وات، وفارادي، ووالت ديزني، وقس على ذلك.
 ولكن السؤال يبقى، أي مجتمع أقدر على خلق الإبداع؛ المجتمع الوسطي أم المجتمع المتقلب العنيف الذي لا يستقر له حال؟
لقد اختار الأردن منهج الوسطية، وأنا جازم أن الشعب الأردني بكل مكوناته، وبحكم طبيعته غير قادر على التطرف حتى ولو حاول ذلك، أو مرت به فترات غضب أو غضبات على ظلم رآه، أو تطرف سلوكي لا يقره، أو تجاوزات اقتربت من خطوطه الحمراء.
ولكن هذا المناخ المعتدل يجب ألا يقلل من شأن المبدعين حتى ولو كانت سلوكياتهم أحياناً تتسم بالخروج عن المألوف.
وفي ظني أن الظروف التي مرت على الأردن وبه وفيه قد أغنت   تجربته، وأن القواصم من الأوضاع قد أخرجته أقوى مما كان، وأن وقته قد حان لكي يصل الى حالة الابداع والانطلاق، وعلينا جميعاً أن نعي لحظتنا التاريخية فنستثمرها خير استثمار.
لن أمل من الكتابة في هذا الأمر من زوايا مختلفة، لقد آن أواننا نحو الانطلاق الاقتصادي، وأنا واثق أننا بعد عشرين عاماً على الأكثر سنكون أغنى دولة في المنطقة.
هنالك مؤشرات كثيرة على ذلك، بقي أن نأخذ أنفسنا بجدية أكثر في هذا الأمر.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  جواد العناني