ها هي ميادين التحرير تنتصب في القلوب والضمائر والحناجر ، بعد أن مزق رجّالة ميدان التحرير في قلب قاهرة الظلم ، شرنقة الخوف والاستعباد ، فعلقوا الجرس ، وغيروا كل ما استقر في أذهان "العبيد" من استحالة التغيير والثورة،.
من لم يجد ميدان تحرير في عاصمته ، أو حارته أو حتى في بيته ، أقام ميدان تحريره الخاص في صدره ، ففك عقدة الخوف ، ورمى "حجاب" أو "تعويذة" السلطة من رقبته ، بعد أن ظل سنوات طويلة ، يُملي عليه ما يقول ، ويحصي عليه أنفاسه وخلجات قلبه،.
ميدان تحرير قاهرة الظلم والاستبداد ، غدا كلمة السر التي سرت في قلوب المقهورين ، فحررتهم من نير العبودية ، وأطلقت إبداعاتهم الإنسانية ، فلم يعد بعد اليوم يخيفهم عسف أو ترهيب ، ولم تعد حتى الجزرة ترغّبهم في الاستمرار في الصمت ، حتى الإدارة الأمريكية أصبح لها ميدان تحرير ، فانضمت إلى جوقة المنادين بحرية رجّالة ميدان التحرير ، وبالأمس فقط كانت تتغزل باستقرار نظام مصر ، وقدرته على حراسة المصالح الأمريكية والإسرائيلية ، ميدان التحرير "حرر" الخطاب الأمريكي الرسمي ، فاضطر أن يتماشى مع نبض الشارع ، وأصبح إحصاء أعداد المرابطين في ميدان التحرير ، هاجسا ليس لواشنطن فقط ، بل لكل عواصم العالم ، وأثبتت مصر أنها ليست أم المصريين والعرب فحسب ، بل هي أم الدنيا بحق ، وليس على سبيل المجاز،.
لقد قلنا في هذا المقام أن ثورة مصر نجحت بكل المعايير ، بغض النظر عن الشكل الذي سيستقر عليه هذا النجاح: لأنها ببساطة صنعت من ميدان التحرير "علامة مسجلة" أو وصفة لمعالجة كل امراض الاستبداد والاستعباد والقهر وتغول أجهزة السلطة ، بكل فسادها الذي وفر غطاءً "قانونيا" ليس للقمع ، بل للحرمنة والنهب والسلب ، وإلا من أين لفرد أو عصابة ، أن يجمعوا ستين أو سبعين مليارا من الدولارات ، وهم مجرد موظفين ، يفترض أن يكونوا خداما للشعب ، لا نهابا له؟؟،،.
إن كان لتونس بوعزيزُها ، ولمصر ميدانُ تحريرها ، فقد غدا لكل بلد بوعزيزها ، ولكل عربي ميدانُ تحريره الخاص به،.
ساحات التحرير الآن ، انتشرت وتوالدت كما الفطر ، في كل الأماكن والبلدان والأفئدة ، ومن ليس له "ساحة تحرير" بنى ساحته في المدى اللامرئي ، أو داخل غرفته السرية في أعماقه ، يستمد منها القوة والشجاعة ، لمواجهة الظلم المعتق ، يلتقي فيها أحرار الإنسانية ، يتسامر معهم ، ويتظاهر أيضا ، ويرابط ويصمد ، ويرفع شعاره الخاص ، متمسكا بحقه في حياة كريمة ، دون أن يدوس رأسه بسطار ، أو يأكل حقه ورزقه مارقّ باسم الحفاظ على الأمن الوطني أو القومي أو الشيطاني ، فلكم منا يا رجّالة ميدان التحرير ، كلّ الحب والعرفان بالجميل: لأنكم لم تحرروا مصر فحسب ، بل حررتم عقول المقهورين والمهمشين والمظلومين ، لأنكم لم تثوروا ضد نظام فاسد مستبد حرامي فحسب ، بل ضد الفساد والاستبداد والحرمنة بمفهومها الفكري والفلسفي والإنساني ، وهل ثمة حرمنة أبشع ممن يسرقون وطنا ويشردون شعبا؟ أبشري يا "إسرائيل" بأحدث علامة على قرب زوال كيانك الغاصب المارق المستبد،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور