شهيد من الخضيرة (14)
غاب محمد طويلا، يوما بعد يوم وأسبوعا بعد أسبوع  شهرا بعد آخر ولا خبر وقلقواعليه كثيرا وذهب زوجها وعمها للبحث عنه؛ في البلدان والقرى؛ ويسألون عنه التجار الذين كان يتعامل معهم والبقالات التي كان يتردد عليها..دون فائدة..لا علم ولا خبر..وبعد عدة زيارات ومحاولات وجهد كبير تأكد لهم أنه التحق بالمجاهدين والثوار.
صرخت ودقت على صدرها..ماذا؟ ماذا تقول يا أبو اسماعيل..ألا تعرف أن مصير المجاهدين الموت إما من اليهود او من الإنجليز.
رد علي بحزن عميق:
-  والله هذا ما فعله..ما باليد حيله..إدعي له بالسلامة يا فاطمة.. سنعود للبحث مرة أخرى..الله يساعدنا على ما يجري لنا..تنهد زوجي وغطى وجهه بيديه واجهش بالبكاء.
 
تتنهد الحاجة ثم تضيف بعض مآثر الشهيد:
"كان أخوي ولا كل الأخوة..خذي..خذي يا فاطمة أحضرت لك قماش من حيفا..فصليه وإلبسيه في عرس ابن العم. عمي  ينوي تزويجه في الصيف..لازم تروحي العرس بثوب جديد ..أنت أحلى واحدة في العشيرة ولازم يكون ثوبك أحلى ثوب ".
 
تصف كيف انهارت تماما عند سماعها الخبر وكيف بات حالها لا يوصف ..أخوها وكل أهلها ..أين هو؟ وين أراضيه وين صار..تتوسل الى عمها وزوجها أن يحاولا العثور عليه من جديد واعادته الى زوجته وولده .. طول النهار تصلي وتبتهل الى الله أن يعيده ..مرت عليها الليالي طويلا لا تعرف النوم، وكلما سمعت خشخشة خارج الخيمة؛ تنهض ملهوفة يحذوها الأمل بعودته لتمسكه، وتحبسه في خيمته مع عائشة، ولا تسمح له بالخروج بالمرة..فقد كبر بطن عائشة ودخلت شهرها التاسع.
  
تخلط الحاجة فاطمة الحكايات، فتتحدث عن فترات لاحقة في تاريخ فلسطين، عن الجيش العراقي والمجاهدين العراقيين وكيف كانوا يخوفون اليهود وتتذكر بعض الأسماء ..سنة 1936 كان في قائد عراقي جدع اضافة إلى القائد عارف عبد الرزاق؛ و اسمه عمر علي؛ وغيرهم ومناضلين شباب عاديين اشتركوا بمعارك كبيرة في فلسطين، ومنهم ناس قعدوا في بلعا، قرية صغيرة في فلسطين ومنها كانوا ينطلقون ..الجيش العراقي كان يضحك على اليهود، يأتون بالأسير اليهودي ويطلبون منه ان ينظر في قدور الطبيخ الكبيرة التي يطبخون فيها طعام للجيش، ويقولون له نحن نطبخ اليهود في هذه القدور، ثم يطلقون سراحه ليخبر أهله وجماعته بالقصة؛ فيدب الرعب جدا في قلوبهم من العراقيين.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق