منذ ما يقل قليلا عن السنوات العشر وأنا أكتب عن شباب الإنترنت ، وبقدر ما كنت معجبا ومندهشا بالأجواء التي فرضها هذا الاختراع العجيب على حياة هؤلاء الشباب ، بقدر ما كنت أحرض على مراقبتهم ، والحد من حريتهم ، وعدم تركهم وحيدين مع الفضاء الافتراضي الذي تصنعه الشبكة ، وكنت بحكم اهتمامي بالشباب ، والحياة الاجتماعية للناس ، أرقب عن كثب كيف يسيح هؤلاء الشباب ، عبر عالم الشبكة ، بلا قيود أو رقابة سياسية ، أو أمنية ، أو اجتماعية ، فقد وفر النت فضاء غير محدود من التواصل ، جعلهم قادرين على اكتشاف ثقافات وقيم وعادات ، لا تمت إلى مجتمعهم بصلة ، وأسسوا بناء عليه مجتمعا افتراضيا ، أو مدينة فاضلة وفق ما يحبون ، ولم يكونوا في الأثاء بعيدين عن ممارسة متعهم والتنفيس عن كبتهم ، لكنهم لم ينسوا أن يستثمروا الشبكة أيضا في بناء منظومة ثقافية معقدة ، ظلت تتنامى حتى آتت أكلها ، فكانت ثورة تونس ، ومصر ، وليبيا ، والحبل على الجرار،،.
صحيح أن الشباب ليسوا فقط هم من قام يالثورات ، لكنهم كانوا مشعليها ، ومنسقيها ، وشبكة تواصل مجموعاتها ، مع أنهم اعتبروا بالتعبير العسكري "نقطة ميتة" لم يتوقع أحد أن يأتي من قبلهم كل هذا الخير ، وثمة من يتوقع - وانا منهم - أن تستمر هذه الأنفلونزا الثورية في الامتداد إلى مناطق غير متوقعة ، ما لم يصحُ أصحاب القرار ، على أخطار الهزات الارتدادية ، التي ضربت البنى العربية الرسمية ، ويتماهوا مع تطلعات الجماهير ، فيصلحوا من شأن بيوتهم ، متمثلين قول القائل: بيدي لا بيد عمرو ، لأن عمرو لن يرحمهم،. حينما نتأمل حجم عالم الشبكة العنكبوتية ، نصاب بالذهول ، فقد تم إرسال 107 تريليونات رسالة الكترونية في العام 2010 ـ بمعدل يومي يبلغ 294 مليارا من الرسائل الالكتروينة ، ويبلغ عدد مستخدمي البريد الإلكرتوني حول العالم 1,88 مليار وثمة 480 مليونا من مستخدمي البريد الالكتروني الجدد زادوا هذا العام عن العام الذي سبقه ، والإحصاءات الأخرى تثير الدهشة أكثر فثمة: 2,9 مليار من حسابات البريد الالكتروني حول العالم. %25 فقط للشركات ، ويبلغ عدد المواقع الإلكرتونية 255 مليونا حتى كانون الاول 2010 ـ وهناك 21,4 مليون من المواقع الالكترونية المضافة في 2010 . ويبلغ عدد مستخدمي الانترنت حول العالم حتى حزيران 2010 نحو ملياري مستخدم ، (14% نسبة زيادة عدد مستخدمي الانترنت عن السنة السابقة) منهم 825,1 مليون في اسيا ، و - 475,1 مليون في اوروبا ، و 266,2 مليون في امريكا الشمالية و 204,7 مليون في امريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي و110,9 مليون في افريقيا ، و63,2 مليون عدد مستخدمي الانترنت في الشرق الاوسط،،.
إنه عالم آخر افتراضي مواز للعالم الطبيعي ، فيه يلتقي الشباب ، ويتحاورون ، يلهون ويلعبون ، ولكنهم أيضا يتعلمون ، وينقلون تجاربهم إلى بعضهم البعض ، وهذا ثمار هذا اللقاء يهز العالم هزا ، لا عالمنا فحسب ، والويل ثم الويل ، لم لا يدرك ما يجري في هذا العالم المثير،،.
أجدني بعد كل ما فعله شبان الإنترنت ، مدينا لهم باعتذار شخصي ، بعد طول تحريض وسوء ظن ، فقد حققوا في أيام ما عجز الكهول والمثقفون والنخب عن تحقيقه في عقود طويلة من التنظير والفلسفة،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور