كيف ينام مسؤولو حركة حماس الليل، وهم ينظرون الى أكثر من 1.5 مليون مواطن من أهل قطاع غزة وهم يعانون الأمرّين من أجل الحصول على أبسط مقومات الحياة؟ وقطاع غزة المحصور بين جدران وراءها صحراء مع مصر، وممرات ضيقة تفضي الى الضفة الغربية عبر أرض معادية في إسرائيل، وبحر يقود الى العرب والأوروبيين، ولكنه مغلق ولا يسمح لأحد باصطياد أسماكه الا إذا عرض نفسه لاحتمالات القتل، وفوقه سماء تجلب إليه طائرات وحوامات وتؤوي أمواجا لاسلكية قاتلة عبر الهواتف؟.
وفي ظل هذا الحصار الشامل، يبدو استمرار الحياة بحد ذاته مخاطرة يومية والحصول على حوائجها اليومية مغامرة طويلة لا تنقطع. ومع هذا، فإن أهل غزة بما عرف عنهم من قدرة على الصبر والتحمل، وعزيمة وقَّادة على الحياة، يجدون الوسائل التي تجلب لهم خليطاً من المهالك والحاجات.
يقال إنَّ أهل عزة يملكون أكثر من ألف نفق حفرت وشيدت تحت الأرض، وإن هذه الأنفاق تشكل شريان الحياة، والبديل الصعب القادر على توفير الحاجات السلعية لأهل غزة.
وتتفاوت هذه الأنفاق في سعتها، وأمانها، ومن ثم تتفاوت أنواع السلع التي تمرر عبرها، فالكبيرة تنقل الحيوانات الحية والذبائح والسلع ذات الحجم. أما الأنفاق الصغرى، فتحمل صناديق الطعام والدواء ذات الحجم الصغير أو المتوسط.
وتقدر كلفة حفر النفق الواحد بمبالغ تتراوح بين أربعين الى سبعين ألف دينار، وهنالك كما يقال بورصة غير رسمية طبعاً لبيع وشراء هذه الأنفاق بمبالغ تتراوح بين ستين ومائة ألف دينار، عدا عن التكلفة الرأسمالية المطلوبة للحفر والتدكيك ومنع الانهيارات الترابية والرملية والنفقات الجارية من أجور للعمال الذين يخاطرون بحياتهم داخل الأنفاق لنقل البضاعة من الأرض المصرية إلى قطاع غزة.
وهنالك ترتيبات نقل معقدة من السوق المصرية أو غيرها لنقل السلع إلى مكان إعدادها وشحنها عبر الأنفاق، وأتخيل أن هنالك شبكة من البائعين والوسطاء والناقلين والوسطاء مع السلطات والبوليس والجمارك.
وقد تكاملت هذه الترتيبات والإجراءات في ظل الظروف التي لا تنطوي على مفاجآت، ولكن المفاجآت تحصل، ولا بد من وجود حلول خلاقة بنت الساعة لحل هذه الازمات أو العقبات الطارئة. وأما على الجانب الآخر، فهنالك شبكة بين المشترين والوسطاء الذين تربطهم ببعضهم بعضا عقود غير مكتوبة، وترتيبات تأمينية في حالة عدم وصول السلع لطرف غير متوقع.
وهناك ايضا ترتيبات دفع واستلام وتسليم، واتفاقيات على قيمة البضائع التالفة أو الناقصة بسبب الطبيعة غير الرسمية للنقل والشحن والبيع والشراء. وبالطبع هنالك المواطن الذي يكدح كدحاً متواصلاً لتأمين الدخل الأدنى لكي يشتري حاجاته من هذه السلع باهظة الكلفة، وكيف لا تكون باهظة الكلفة مقابل كل المخاطر والكلف التي ينطوي عليها أسلوب التسويق المتبع.
وفي ظل بطالة يقول البنك الدولي إنها تصل إلى 50 % في قطاع غزة، فإننا نكاد نرى باللمس والحس والشم والسمع والبصر مدى المعاناة والمكابدة التي يلاقيها أهلنا الصابرون هنالك.
ولهذا، فإن أي قافلة خير تصل إلى غزة تحمل معها الأمل بحياة أفضل، والشعور بأن هنالك من يحس بالأهل ويتعاطف مع نظرة أمّ تنتظرعودة الأب بكيس فيه طعام، وأب تحطم كبرياؤه أمام نظرات أطفاله الكسيرة عندما يرون يدي أبيهم فارغتين. يجب أن نحيي وقفة الأردن؛ ملكاً وشعباً ومؤسسات إنسانية مثل الهيئة الخيرية الهاشمية والقائمين عليها، وأن نقول لهم إن تعاطفكم مع أهل غزة يأتي في أعلى مراتب العمل الإنساني، ونحيي كذلك البعثات الطبية العاملة في المستشفيات المدنية والتي تعالج الأبدان والأرواح.
أما أهل غزة، فلهم منا تحيات لا تقدر، لأنهم لم يتركوا لنا عذراً لكي لا نعيش أو نعمل او نبتكر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة جواد العناني