حياة الراحل نجم الدين أربكان ، أمثولة لكل من يريد أن يعمل في المجال الإصلاحي ، خاصة من أصحاب الرؤية الإسلامية ، فهو بحق قائد الصحوة الإسلامية التركية ، وابوها الروحي..
يلقب أربكان الذي رحل عن هذه الفانية بالأمس ، بأنه قائد الصحوة الإسلامية المعاصرة في تركيا ، وإليه بعد الله جلت قدرته ، يعود الفضل فيما تعيشه تركيا الآن من رفاه وازدهار ، بعد أن أجهزت رؤيته الإسلامية الفذة على جبروت العسكر..
ينحدر البروفيسور نجم الدين أربكان من نسل الأمراء السلاجقة الذين عرفوا في تاريخ تركيا باسم "بني أغوللري"، وكان جدُّه آخر وزراء ماليتهم ، وكانت أسرة أربكان تلقَّب بناظر زاده أي ابن الوزير.حصل الراحل على الدكتوراه من جامعة أخن الألمانية في هندسة المحركات عام م1956 ، أنشأ عام 1970 بدعمْ من تحالف طريقته مع الحركة النورسية حزب النظام الوطني الذي كان أول تنظيم سياسي ذي هوية إسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ زوال الخلافة عام 1924م. وكان تأسيس حزبه أول اختراق جدي لرفض القوى العلمانية المهيمنة له.ولم يصمد حزبه سوى تسعة أشهر حتى تم حله بقرارْ قضائي من المحكمة الدستورية بعد إنذارْ من قائد الجيش محسن باتور ، فقام أربكان بدعمْ من التحالف ذاته بتأسيس حزب السلامة الوطني عام م1972 ، وأفلت هذه المرة من غضب الجيش ليشارك بالانتخابات العامة ويفوز بخمسين مقعدًا كانت كافيةً له ليشارك في مطلع عام 1974 في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ليرعى المبادئ العلمانية.وقد تولى أربكان منصب نائب رئيس الوزراء وشارك رئيس الحكومة بولند أجاويد في اتخاذ قرار التدخل في قبرص في نفس العام ، وحتى بعد خروجه من الحكومة فقد قدَّم حزب أربكان مشروع قانون إلى مجلس النواب في صيف عام 1980 يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني ، وأتبع ذلك مباشرةً بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الصهيوني بضم مدينة القدس ، كانت المظاهرة من أضخم ما شهدته تركيا في تاريخها المعاصر: الأمر الذي اعتبر استفتاءً على شعبية الإسلام السياسي بزعامة أربكان ، وبعد بضعة أيام تزعَّم قائد الجيش كنعان إيفرين انقلابًا عسكريًّا أطاح بالائتلاف الحاكم ، وبدأ سلسلة إجراءات كان من بينها إعادة القوة للتيار العلماني ، ومن ذلك تشكيل مجلس الأمن القومي وتعطيل الدستور وحل الأحزاب واعتقال الناشطين الإسلاميين إلى جانب اليساريين. كان أربكان من بين مَن دخلوا السجن آنذاك ، وبعد ثلاث سنوات خرج في إطار موجة انفتاح على الحريات في عهد حكومة أوزال ، فأسس في العام 1983 حزب الرفاه الوطني ، الذي شارك في انتخابات نفس العام لكنه لم يحصل سوى على 1,5% من الأصوات ، لكنه لم ييأس إذ واصل جهوده السياسية حتى أفلح في الفوز بالأغلبية في انتخابات عام 1996 ليترأس أربكان حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم برئاسة تانسو تشيللر.
في عام م1998 تم حظر حزب الرفاه وأحيل أربكان إلى القضاء بتهم مختلفة منها انتهاك مواثيق علمانية الدولة ، ومُنع من مزاولة النشاط السياسي لخمس سنوات ، لكن أربكان لم يغادر الساحة السياسية فلجأ إلى المخرج التركي التقليدي ليؤسس حزبًا جديدًا باسم الفضيلة بزعامة أحد معاونيه وبدأ يديره من خلف الكواليس ، لكن هذا الحزب تعرَّض للحظر أيضًا في عام 2000م. ومن جديد يعود أربكان ليؤسس بعد انتهاء مدة الحظر في عام 2003 حزب السعادة ، لكن خصومه من العلمانيين ، تربصوا به ليجري اعتقاله ومحاكمته في نفس العام بتهمة اختلاس أموال من حزب الرفاه المنحل ، وحُكًمَ على الرجل بسنتين سجنًا وكان يبلغ من العمر وقتها 77 عامًا. أصدر الرئيس التركي عبد الله جول عفوًا رئاسيًّا عنه في 18 أغسطس 2008م: بسبب تدهور حالته الصحية.
نجم الدين أربكان أحد أبرز رجالات الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا.وفي وسائل الإعلام التركية ، وفي الأوساط والمحافل السياسية التركية ، وعلى امتداد الشارع التركي المسيَّس يطلقون عليه لقب "أبو السبعة أرواح" ، وهو لقب يبدو أن أربكان يستحقه بجدارة من كثرة ما دخل وخرج من محاكم ومن سجون ، ومن كثرة ما أسس أحزاباً بلغ عددها في فترة زمنية قصيرة قياساً بعمر الدول خمسة أحزاب ، فلا يكاد يؤسس حزباً حتى يحاصره حماة العلمانية في تركيا وخاصة جنرالات المؤسسة العسكرية ، فيحظروه ويختموا أبوابه بالشمع الأحمر ، ليعود أربكان ليؤسس حزباً جديداً فيغلقه العلمانيون ويختمون أبوابه بالشمع الأحمر ، ليعود أربكان ليؤسس حزباً جديداً باسم جديد بنفس نكهة الحزب المحظور الوطنية الإسلامية.. وهكذا حزباً بعد حزب و محاكمة بعد محاكمة ، وسجناً بعد سجن،.
نجم الدين أربكان افل فيزيائيا ، لكن نجمه لم يزل يضيء حياة تركيا الحديثة ، وسيرة حياته قدوة حسنة لمن يريد أن يعمل ، ولو في أكثر الظروف حلكة ، فلا عذر لأحد في ترك العمل ، والركون إلى الدعة ، بحجة منع السلاطين ، وعسف السلطات،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور