أكثر ما يغيظني من تحليلات لما جرى ويجري في بلادنا العربية ، هو ربطها بإرادة أمريكية ، باعتبار أن الثورة والثوار محض عملاء عند الإدارة الأمريكية ، وأن حركتهم كانت بتدبير من هؤلاء "الأغبياء" في بيوتات الخبرة الأمنية في واشنطن،.

لقد فوجئت أن بعض المراقبين يتبنون وجهة النظر هذه ، وهالني أن بعضهم منزعج مما يجري ، وبمحض الصدفة ، وقعت على حديث طريف ومعمق لمفكر عربي أمريكي ، هرع من فوره لزيارة المنطقة لفهم ما يجري ، وفي حديث لافت معه ، أجاب عن كثير من الأسئلة التي تدور في أذهاننا حول موقف الإدارة الأمريكية ، وما يجري في أذهان النخب السياسية والفكرية والإعلامية في واشنطن،.

المفكر هو الدكتور شبلي تلحمي ، الأستاذ الزائر للجامعة الأمريكية بالقاهرة ، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة ميريلاند الأمريكية ، وهو واحد من الأساتذة الذين يستمع إليهم أعضاء الكونجرس الأمريكي ، والنخب الحاكمة ، ومن حسن حظي أن موقعا إلكترونيا هو "واحة العرب" أجرى حديثا معه طرح أسئلة نتوق كثيرا لسماع أجوبتها من خبير بالسياسة الأمريكية ، كشبلي التلحمي ، ومن هذه الأسئلة سؤال عن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في مساندة الثورة التونسية أو المصرية وعما إذا اسهمت في نجاحهما ، يقول الدكتور تلحمي في جوابه عن هذا السؤال إن "الأحداث في مصر في الأغلب هي خارج سيطرتنا ، ولا يرجع الأمر للولايات المتحدة لتحديد هوية الرئيس المقبل لمصر ومن سيكون ، وفي جميع الأحوال فإن عجز أمريكا عن هندسة النتائج السياسية بالمنطقة - أو حتى التنبؤ بها - قد بدا واضحاً بدءا من نتائج الحرب على العراق نفسها وصولا إلى المسابقات على السلطة في لبنان والاراضي الفلسطينية. وإذا كان هناك أي درس يمكن تعلمه من ثورة تونس ، ومن سياسات الولايات المتحدة في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية ، فهو أن هذه الأحداث التاريخية والعفوية في مصر لا يجب أن تُنسب إلى الولايات المتحدة ، ويقول أيضا ، إنه عندما بدأت التظاهرات المصرية وتحولت إلى ثورة شاملة بدأت تجتذب تركيز واهتمام واشنطن ، لأن مصر ليست مجرد دولة عربية أخرى ، وواشنطن لا تراها كذلك ، مصر هي محور ارتكاز للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ السبعينات ، والدور الذي لعبته مصر في الفكر السياسي الأمريكي ارتكزت عليه حزمة السياسات في ملفات عملية السلام ، والأمن الإقليمي ، والدبلوماسية العامة ، وشكلت مصر نقطة محورية للسياسة الخارجية الأمريكية ، لذلك عندما بدأت الأمور تشكل تحديا لنظام مبارك ، كان هناك بالتأكيد جدل ضخم دائر داخل تيارين رئيسيين ـ ولم يكن بالأساس ينتمي أيا منهما للديمقراطيين أو الجمهوريين ـ ولكن بين بعض العناصر المؤثرة التي ترى أن الولايات المتحدة استثمرت بشكل كبير في النظام القائم وعلينا الالتزام به إلى أقصى مدى والقلق بشأنه ، وبين الغريزة الأساسية لدى المسؤولين في الحكومة وهي دعم تطلع الشعوب للديمقراطية وحقوق الإنسان .. ان الغريزة الأساسية لأغلب السياسيين الأمريكيين هي دعم حقوق الإنسان والديمقراطية ، لكن عندما يتعلق الأمر باتخاذهم قرارات تتعلق بالمصالح السياسية ، فإن الاعتبارات الإستراتيجية تأتي في المقدمة،.

أرجو أن يكون فيما يراه تلحمي ، كخبير في السياسة الأمريكية ، جوابا على تلك الأصوات الغريبة التي تنسب كل ما يجري في بلادنا لإرادات خارجية،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور