الأرجح أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، نسي الشرق الأوسط بمجرد مغادرته أجواءه الإقليمية. لكن وزير خارجيته جون كيري، بقي في المنطقة للمتابعة والبناء على القليل الذي تم البدء فيه. ورغم حذره من خلق أي توقعات غير واقعية، نجد في تحركاته بعضا من الفهم بأن دور الولايات المتحدة الإقليمي لا يمكن الاستغناء عنه، وأن في اضمحلاله تسليما للإقليم للقوى المتشددة.
يجب أن يقتنع كيري، أن ترك الإقليم من شأنه قلب موازينه رأسا على عقب؛ ومن يعبث بشيء ويعطبه، يجب أن يدفع ثمنه، وفق مقولة: "If you break it, you own it". وهذا ينطبق على حال الولايات المتحدة في عدد من ملفات الإقليم، وليس أقلها وضوحا تسليم العراق لإيران على طبق من فضة.
هذا لا ينفي حقيقة أن انسحابا أميركيا نسبيا ومدروسا من الإقليم وقضاياه قد يكون بناءً، ويضع الدول الشرق أوسطية أمام مسؤولياتها. لكن هكذا انسحاب لا يجب أن يضمن تسليم الإقليم للقوى الجاهزة للسيطرة عليه، كما حدث في حالة العراق.
يجدر بالوزير كيري رؤية الإقليم ضمن مستويين أساسيين: ذلك الإقليمي الشامل الذي تترابط من خلاله القضايا المختلفة؛ والآخر المتمثل في منظور الملفات ببعدها الفردي، مع ضرورة المواءمة بين المستويين. فخطأ الإدارة الأميركية أنها نظرت للملفات الإقليمية بفردية، بعيدا عن تأثيراتها الإقليمية. فالقضية العراقية "عراقية" وطنية، وما يحدث في سورية مسألة مرتبطة بسورية، إلا إذا ثبت عكس ذلك وبقوة. ومرد هذه القناعة الأميركية أن إسرائيل كانت تدفع دوما إلى تأطير القضية الفلسطينية بعيدا عن بعدها الإقليمي، وجعلها قضية "فلسطينية" فقط، بدون أي تداعيات إقليمية. وهذا خطأ في حالة القضية الفلسطينية وغيرها.
فالعراق ساحة أمامية للنفوذ الإيراني، وبات يأتمر بمصالحها. وسورية معركة الممانعة وما هي إلا أداة من أدواتها. والقضية الفلسطينية إقليمية حكما، فهي التي تخلق أجواء الاحتقان واللااستقرار بشكل مباشر وغير مباشر، ويعتاش عليها كل مروجي التطرف. بهكذا فهم للإقليم يمكن لدور الولايات المتحدة أن يكون مفيدا وبنّاءً، ومحفزا لأن يوازن النظام السياسي الإقليمي بما يمده بالاستقرار والتفاعل الإيجابي، لمصلحة الشعوب ونمائها.
لا تستطيع القوى السياسية الإقليمية المعتدلة أن توازن أو تردع الدور الإيراني الذي قوي بسبب السياسات الأميركية في المنطقة، ولا يمكن لهذه الدول احتواء الدور الروسي غير البناء في سورية. وقد صار لزاما على الولايات المتحدة إدراك ذلك، ليس فقط لدواع أخلاقية وتاريخية كونها القوة الأعظم في الشرق الأوسط، ولكن أيضا لأسباب ترتبط بالمصالح الأميركية الإقليمية البحتة.
فقد حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم الكثير من قدرتهم على التأثير في الدور السياسي الاقليمي لأميركا، لأسباب ترتبط بمصداقيتهم السياسية وأدائهم الوطني المتواضع الذي تريد الولايات المتحدة أن تنأى بنفسها عنه، ولم يبق إلا قوة المنطق ولغة المصالح الأميركية المُهددة للتأثير في الدور الأميركي المؤمل. الأفضل أن يأتي ذلك من غير الرسميين؛ فمصداقيتهم أفضل حالا من الدول وممثليها بخطاباتهم المزدوجة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د. محمد حسين جريدة الغد