في غمرة الانغماس بالحاسوب، والتأمل لساعات طويلة في شاشته، ننسى أن هذا البلد كان فيه رواد منظمون قدموا لنا الكثير من الثروات والمؤسسات التي ما تزال رغم الزمن قائمة تتحدى الزمن.
لقد مضى مؤسسوها، وبَقيت هذه الشركات ثروة وطنية تتناقل ملكيتها وأسهمها جيلاً بعد جيل. لقد نجحت مؤسساتهم وأعمالهم في التحدي، وبقيت حاضرة أمام أعيننا.
وأذكر عام 1985 أنني تقاعدت من الوزارة لأول مرة، وقال لي صديقي الدكتور زياد فريز "لا تبحث عن وظيفة، افتح باسمك مكتباً استشارياً" وبالفعل قمت بذلك.
وكان أول زائر لي الحاج إسحق القواسمي، وقال ضاحكاً "أنا لا أحمل شهادات، وأنت معك دكتوراه، هل تستطيع أن تشرح لي كيف يمكن أن نشتري شيئاً بخمسة قروش، ونبيعه بخمسين فلسا، ونربح، فقلت له "هنالك تلاعب بالكلمات"، فقال ضاحكاً "أبداً، أبداً. الخمسون فلساً والخمسة قروش (يعني شلن) هي الشيء نفسه، هل عجزت؟ هل تعترف أن الحاج إسحق اشطر منك؟ فقلت نعم قال "الفرق هو" الكيس الفاضي".
لقد كنت أبيع بضاعة مال قبان بالجملة بالسعر نفسه الذي اشتري به، ولكنني اشترطت إرجاع الأكياس أبو خط أحمر وأبو خط أزرق الفارغة إليّ. وهكذا ربحت وبدأت تجارتي.
لقد علمني الرجل في دقيقتين درسا في العمل الاقتصادي. وها هو قد رحل عنا عن عمر يناهز التسعين عاماً بعد أن بنى شركة نقل بري لا تضاهى، وساهم في إنشاء العديد من المؤسسات. ولقد اعتمد في هذا على الربح القليل، والعمل الكبير، والالتزام بالمواعيد والعهود، والكثير من عمل الخير والإحسان.
وتذكرت رجالاً من الرعيل الأول الذين ساهموا في بناء البلد. فتذكرت المرحومين مثقال وسامي عصفور في التجارة والصناعة، والمرحوم الحاج علي بدير مؤسس شركة الكهرباء، والمرحوم عبد المجيد حجازي وشركة الدباغة، والمرحوم توفيق قطان وشركة الإنتاج، والمرحوم صالح المعشر وشركة النسيج والأصواف، والمرحوم عبد المجيد شومان وشركة المصفاة عدا عن البنك العربي، والمرحوم سليمان سكر والبنك الأهلي، والمرحوم حسني سيدو الكردي وبنك الأردن، والمرحوم حيدر شكري وبنك القاهرة عمان، والمرحوم عبد الرحمن أبو حسان وشركة الفوسفات، والمرحوم رياض المفلح وشركة الأسمنت، والمرحوم مصباح الزميلي شهبندر التجار ومصلح ذات البين، والمرحوم صبحي جبري ومطاعمه الشهيرة تحت إدارته، وغيرهم الكثيرون ممن أسسوا وَبَنوا.
وكيف ننسى المرحوم الحاج صبري الطباع، وياسين التلهوني، وتوفيق قعوار، والمرحوم علي شريف الزعبي المحامي، وغيرهم الكثيرون أمثال محمد صبحا، وابراهيم منكو، وعبد الله أبو قورة، والمرحوم نزار جردانة، والحاج عيد الشريف مؤسس مزارع الحمضيات في الأغوار، والمرحوم صيَاح البغدادي، ومحمد بدوي عليان، وغيرهم من الرجال أمثال الدكتور كمال الشاعر مؤسس دار الهندسة، وأمين شقير.
هؤلاء كانوا رجال أعمال بنوا مصانع ومنشآت تحدت الزمان وفقر المكان، وتركوا لنا إرثاً رائعاً من البناء والقدوة الحسنة. لقد كانوا مبادرين، أقوياء، ووجدوا في تراب الأردن وأهله التشجيع والدعم، ولاقوا على أرض الوطن نظاماً سياسياً داعماً لهم، يرعاهم ويبارك خطواتهم.
واضع الدستور، فالملك الباني الى أن آلت الى الملك المطور.
إلى الشباب الذين لا يعرفون هؤلاء الرجال المؤسسين، ومن يذهب خيالهم الى الاعتقاد أن نجاح البلد أتى من دون منظمين، وأفكار إبداعية، وصعوبات، أقول لهم؛ اسألوا آباءكم وأجدادكم عن تلك الزمرة الخيرة من البناة الأوائل.
رحم الله الحاج إسحق القواسمي، ورحم من سبقوه إلى الآخرة، وقد تركوا لنا نصيباً وافراً من الدنيا، وعذري لمن يستحق الذكر ونسيت اسمه؛ فأنا اتحدث من الذاكرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  جواد العناني