قد يكون رأيي صادماً في موضوع الدعم؛ فلدي ما يجعلني أعتقد أن خدمة الفقراء لم تكن العامل الحاسم الذي دفع الحكومة إلى تطبيق سياسة الدعم. من وقف وراء ذلك قوى النفوذ التي خططت سلفاً للتطفل على الدعم، لذلك لم تكن الصدفة هي من غيبت عن الدعم الآلية التي تضمن وصوله إلى من يستحقونه فعلاً؛ فولد التطبيق مشوهاً، واستمر كذلك عن قصد. إذ تم دعم سعر السلعة بدلاً من تقديم الدعم حصراً لجيوب المواطنين من مستحقي الدعم، فاستفاد أصحاب المطاحن والمخابز والمطاعم وصناعة الجاتوهات والشوكولا، ومن بعدهم تجار الخبز الذين أرسلوه علفاً لماشية الدول المنتجة للنفط. واستمرت الحكومة في تقديم الدعم على هذا النحو المدمر للخزينة على مدى سنوات طويلة، مع علمها بوصول أغلب الدعم لغير مستحقيه، وتضخم فاتورته لمستويات خيالية.
تغييب الآلية التي تضمن وصول الدعم لمستحقيه فقط دون غيرهم على مدى أربعة عقود، يبعث الشكوك في نوايا صانعي السياسات، الذين ظلوا يراقبون تراكم ضغوطات الدعم على الموازنة بدون تحريك أي ساكن لحمايتها من تفاقم آثار العجز، وما يرتبه ذلك من تورم للمديونية. بل إن صانعي السياسات وجدوا في الدعم بصورته المشوهة فرصة لاستخدامه مشجباً يعلقون عليه إخفاق سياساتهم الاقتصادية والمالية، وملاذاً تلجأ الحكومات المتعاقبة إلى خفضه على الجميع بدلاً من تصحيحه بآلية مناسبة، تمنعه عمن لا يستحقونه وتبقيه لمستحقيه.
من جديد، تعود الحكومة لتمد يدها إلى جيوب المواطنين ممن هم تحت خط الفقر ومن الفقراء ومتوسطي الحال، بعد غفلة طويلة عن تصحيح سياساتها. غفلت عشرين سنة، حتى تفاجأت بزلزال 1989. واليوم، بعد عشرين سنة أخرى من الغفلة، تصحو ثانية على ربيع 2010/2012 فلا تجد أمامها لمواجهة عجز الموازنة والانهيار المالي غير خفض الدعم. فهي لم تمارس واجبها باختيار آلية مناسبة لإيصال الدعم لمستحقيه، وتطبيقها بالتجربة العملية وبشكل تدريجي، تقلل من أضرارها الاجتماعية والسياسية والأمنية على المجتمع. ولم تمارس في الوقت نفسه رقابة صارمة على تضخم موازناتها وترهلها، بل تركتها في كل مرة تصل إلى ما وصلت إليه.
في كل مرة تترك أمور الاقتصاد سائبة إلى أن تقع الفأس بالرأس، ثم تأتي الحكومة لتقول للناس: ما بين أيديكم هو إرث الحكومات السابقة، وإن وضع الاقتصاد على حافة الانهيار، ولا بد من حل سريع، وإن أسرع الحلول هو البدء بخفض الدعم. ثم تفعل الحكومة ما تريد، وتمضي بعد أشهر لتخلفها حكومة أخرى. وتعود الأمور للتكرار مرة تلو الأخرى في مشهد يعيد سياسات لا تتعظ بغيرها ولا حتى بنفسها.
في موضوع الدعم تحديداً، على الحكومة أن تشرع فوراً في وضع آلية مناسبة لضمان وصول الدعم لمستحقيه دون غيرهم. ووضع خطوات متدرجة لتطبيقها على السلع المدعومة، بأولويات محددة، حتى تتمكن من فحص خطواتها وتلافي أي اخطاء في التطبيق، وتحاشي أي آثار صعبة على مستحقي الدعم. ولو أننا بدأنا بذلك في الوقت المناسب، لكانت سياسة الدعم قد استقرت على أسس سليمة منذ عقدين من الزمن، ولحفظنا أموال الخزينة وانصرفنا إلى ما هو أهم من سياسات اقتصادية ومالية.
وفيما هو أوسع بخصوص الأزمة الوطنية الدائمة، بتعقيداتها المركبة، فإنها تقتضي من الحكومة برنامجاً اقتصادياً وآخر سياسياً، تتقدم بهما إلى الناس. إذ لم تعد الرؤية المجزأة تفيد بعد كل هذا التجريب والنتائج المأزومة على أكثر من صعيد. لن يقبل الناس، في ظل الظروف الحالية، بدفع المزيد من الأثمان المطلوبة والقبول بشد الأحزمة على البطون، إن لم يقتنعوا بصدقية الإرادة وشمولية المعالجة، وجدية الحلول.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. عاكف الزعبي   جريدة الغد