من حسن الطالع، غلبة الوحدة على الموقف الشعبي من الخطوات المطلوبة للإصلاح السياسي؛ إن كان من جهة مضمون هذه الخطوات، أو من جهة أولويات تنفيذها. فهي ذاتها عند لجنة الحوار الوطني التي جاء تشكيلها ممثلاً لكافة ألوان طيف الشارع، وعند تنسيقية أحزاب المعارضة، وهي كذلك عند ممثلي البوادي ورؤساء لجان المخيمات، كما رشح مؤخراً عن لقائهم مع اللجنة القانونية في مجلس النواب.
خريطة الطريق التي حددتها ديباجة وثيقة لجنة الحوار الوطني تتطابق تقريباً مع ما تتضمنه أدبيات تنسيقية أحزاب المعارضة وبياناتها التي تصدر عنها في كل المناسبات. وقد اكتملت وحدة الصورة بموقف ممثلي البوادي ورؤساء لجان المخيمات في لقائهم مع اللجنة القانونية في مجلس النواب، إذ طالبوا بحسب ما صرح به رئيس اللجنة، بالأخذ بمخرجات لجنة الحوار الوطني، وإلغاء المقاعد التعويضية، وإلغاء الصوت الواحد، واستبدال القائمة الحزبية بقائمة وطنية، والمطالبة بقائمة على مستوى المحافظة.
خطوات الإصلاح السياسي المطلوبة، وترتيب أولوياتها بالنسبة لغالبية المجتمع، واضحة كل الوضوح: مجلس نيابي يكون ممثلاً حقيقياً لإرادة الناخبين، وولاية تشريعية كاملة لمجلس النواب، ثم حكومة صاحبة ولاية كاملة، وتتمتع بمزيد من الشرعية المستمدة من ممثلي الشعب. وتمثيل مجلس النواب للإرادة الشعبية يحتاج إلى قانون انتخاب متقدم وانتخابات نزيهة، بينما يحتاج اكتمال الولاية الدستورية للمجلس إلى تعديلات على الدستور. أما عن امتلاك الحكومة لكامل ولايتها الدستورية، وضمان التأييد الشعبي لها، فيتم عبر الأخذ برأي مجلس النواب في أمر تشكيلها وإقالتها.
في مقابل موقف موحد المطالب والأولويات لحراك المجتمع وطليعته الإصلاحية، ما تزال القوى في الاتجاه المعاكس تصر على عدم رؤية التغيرات الداخلية التي طرأت على المجتمع في العقدين الأخيرين، وكل الذي يحصل في المحيط العربي من تطورات سياسية جوهرية، غير آبهة حتى بما قد تلحقه من خسائر برصيد الدولة التي وثقت بها وسلمتها مقاليد البلاد وراهنت على أدائها.
بين الشارع وقوى الاتجاه المعاكس ما تزال حال الإصلاح واقفة، إلا من استجابات خجولة طالت بعض التعديلات الدستورية على نحو غير كامل، وتعديل قانون الاجتماعات العامة. بينما المحكمة الدستورية أتت مفصولة عن الجسم القضائي في هيكلها وتعيين هيئتها، وقانونا الإعلام والأحزاب ما يزالان تحت مرمى نيران مجلس النواب، وتدعيم استقلال القضاء لم يتقدم خطوة واحدة.
والهيئة المستقلة للانتخابات تنتظر اختباراً قاسياً، لأن مشكلتنا في الانتخابات لم تكن يوماً في نقص الأجهزة أو في ضعف أو نقص القوانين، وإنما في صدق إدارة الأجهزة ونزاهة تنفيذ القوانين. أما قانون الانتخاب فما يزال إخراجه خاضعاً لإرادة تحالف صناع الصوت الواحد والدوائر الوهمية الذين يمسكون بالحكومة ومجلس النواب.
المراقب للأحداث لا يرى غير حركات في إطار الصورة، بينما مضمون الصورة لم يتغير حتى الآن، رغم سنتين من الحراك الشعبي المستمر، ودروس المحيط العربي. فالقائمون على صناعة القرار لا يرون الأمور حتى الآن خارج حدود الماضي، في حين يحتاج الإصلاح إلى قيادات تملك إرادة سياسية صادقة، ورؤية واضحة للمستقبل، وعزيمة قوية في التنفيذ تنطوي على تقديم للمصلحة العامة، وقدر من النزاهة. لكن الاستجابات الرسمية حتى الآن لا توحي بما يطمئن من هذا القبيل، وهو أمر مؤسف لن يكون محمود العواقب حاضراً ومستقبلاً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. عاكف الزعبي   جريدة الغد