تعقيدات الأزمة الوطنية الراهنة تكمن في طبيعتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المركبة. يتصل السياسي منها بالحريات السياسية، والنزاهة، والمشاركة في الحكم، وسلامة التمثيل. ويطال الاقتصادي جوانب التنمية، وفرص العمل، والدخول، وعدالة التوزيع. ويتوقف الاجتماعي عند التعليم والصحة، وغيرهما مما يصنف تحت القضايا المطلبية. وكل ما في ذلك يشير إلى وضع استثنائي، يستلزم إدارة استثنائية للتعامل معه على مستوى التفكير والتخطيط والتنفيذ، تستطيع أن تتعامل مع اللحظة الراهنة ولا تترك شيئاً للصدفة.
وقد أخذ منحى متفجراً أو كاد، موضوع الفساد الذي ظهر عابراً لكامل مركبات الأزمة، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية. الفساد السياسي جاء في المقدمة، وشكل مدخلاً إلى الفساد في الاقتصاد والحياة الاجتماعية. فقد جاء قانون الانتخاب منحازاً في دوائره وعدالة تمثيل الناخبين، ثم جرى تزوير عملية الانتخاب. وخضعت الحكومات بدورها لمراكز قوة سياسية واقتصادية ضاغطة، ما أدى إلى فتح الباب للفساد الاقتصادي على مديات واسعة.
الوضع العام ما يزال على الأغلب يراوح مكانه. والتغيير لا يأخذ مكانه حيث يجب أن يكون، حتى ليبدو أن لا نية للتقدم بخطوات جادة للإصلاح، أو كأنما هناك من يحلم بفترة انتقالية طويلة تخلو من التصعيد، غير آبه بدروس الحراك الشعبي عبر السنتين الماضيتين، وما تخللهما وطغى على أجواء البلاد من مفاجآت وتوترات، والأهم من ذلك ما يمكن أن توحي به تلك الدروس عما هو قادم من مفاجآت وتوترات.
حتى الآن، لم تفصح إدارة الأزمة عن جدية كافية ومقنعة للإصلاح، تحظى بأدنى قبول لدى الشارع، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الفساد، بعد أن أصبحت العنوان الأبرز لحراك الشارع ومطلبه الأول، ومؤشره الأهم على صدقية الإرادة السياسية لأي تغيير أو إصلاح. فكل ما قدمته مؤسسات الدولة بشأن مكافحة الفساد، حتى الآن، لا يعدو حدود الشعارات؛ إذ تحويل قضايا الفساد إلى القضاء يتم بالقطارة، وما يصل إلى القضاء لا يعود أحد يسمع عنه شيئاً.
التعامل مع المكون السياسي للأزمة سار، وما يزال يسير بسرعة السلحفاة، عبر حكومتين احتاج منهما تعديل الدستور وإقرار قانون الهيئة المستقلة للانتخابات ثمانية عشر شهراً. وقد يحتاج إقرار قانون الانتخاب إلى ثلاثة أو أربعة أشهر أخرى. وعلى صعيد آخر، تهاوت مصداقية مؤسسات إدارة الأزمة، بعد أن أهملت مخرجات لجنة الحوار الوطني ولم تعد تنظر إليها. ولم يتردد رئيس الحكومة بإعلان عدم التزامه بمخرجات اللجنة، دونما وعد منه حتى بالنظر فيها. بل وجرى تجاهل اللجنة نفسها بصورة لم تعد تخفى على أحد.
التعامل مع المكون الاقتصادي للأزمة سار بنفس المستوى الذي سار عليه التعامل مع المكون السياسي. وما كان ينبغي أن يتحقق من تخطيط اقتصادي للمدى المتوسط تبخر برغم العجز الكبير وغير المسبوق في الموازنة، وما يخلّفه من ظلال قاتمة على مشكلة المديونية المتفاقمة. ولا يلوح في الأفق بعد أي تفكير في الإصلاح الضريبي وتفعيل تحصيل الضرائب، أو زيادة على رسوم التعدين المتدنية الخاصة بالفوسفات والبوتاس، أو رفع للرسوم الجمركية على العديد من الكماليات، أو استعادة جزء من الأموال التي بددها الفساد. ناهيك عن عدم امتلاك رؤية لتطوير الاستثمار وتوفير فرص العمل. ويجري بدلاً من ذلك إحداث وظائف في الأجهزة الحكومية، تزيد من البطالة المقنعة، وتضغط على النفقات الجارية في الموازنة وتضاعف عجزها.
نحتاج إلى انفراج كبير، ولو على صعيد واحد على الأقل، قبل نهاية هذا العام. وإن رغبناه على الصعيد السياسي، فليس أنسب من قانون انتخاب توافقي وممثل ونزيه، وانتخابات حرة تعقبها حكومة مختلفة عما سبقها في طريقة تشكيلها ونوع شخوصها. وإن رغبناه على الصعيد الاقتصادي، فبوضع خطة اقتصادية إصلاحية متوسطة المدى، والبدء في تنفيذها حالاً. وإن رغبناه برداً وسلاماً على قلوب الأردنيين، فليس أشفى لنفوسهم ولا أروى لظمئهم من إجراء سريع وصادق لمحاسبة الفاسدين، ووضع مصيرهم بيد القضاء ليقول كلمته فيهم

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. عاكف الزعبي   جريدة الغد