كل من يقرأ تحقيقاً صحفياً عن فقر بعض بلدات المملكة وقراها، تنتابه حالة من الحزن، ويستبد به الألم وربما الغضب أيضاً. بلدات وقرى عديدة صارت لها لشدة فقرها خصوصية تتميز بها على خريطة فقر الوطن باسم بؤر أو جيوب الفقر. ضربها الفقر على مرأى ومسمع الجميع؛ حكومة ومؤسسات مدنية، ومجتمعات محلية كان لها يوماً تاريخ من تقاليد التكافل الاجتماعي.
قبل أشهر، جال صحفيو "الغد" في مجتمعات وقرى في لواء رويشد في البادية الشمالية، وكشفت أقلامهم وكاميراتهم عن حالات من العوز والبؤس نعجز عن تصورها في بلدنا بتعداده القليل ومساحته المحدودة، وشبكة أمانه الاجتماعية التي أنفق وما يزال ينفق عليها الملايين، والصورة الجميلة التي رسمها لنفسه وما يزال يضعها في إطار أكثر جمالاً.
جديد تحقيقات "الغد" في عددها في 8 آب (أغسطس) الماضي عن واقع حياة المواطنين في لواء الأغوار الجنوبية، كشف عن حقائق تثير الفزع والخجل معاً.  مدارس اللواء جميعها تحصد رسوباً كاملاً في امتحان التوجيهي لثلاث سنوات متتالية، و30 % من سكان المنطقة يعانون من فقر الدم، ونسبة طلاق بين حديثي الزواج هي الأعلى في المملكة، وتزايد إدمان الشباب على "الكولونيا" و "السبيرتو" الطبي كبديل للمخدرات. حقائق جعلت اللواء يتصدر كامل جيوب الفقر الثلاثة والثلاثين في المملكة.
مر التحقيق، كما مرت تحقيقات مماثلة من قبل، بدون أن يحرك الاهتمام المطلوب من قبل من يعنيهم الأمر. تحقيقات كثيرة سابقة، وإلى جانبها دراسات عديدة، لو نالت العناية المطلوبة من مراجعة وتدقيق يكشف عن النتائج ويعالج الأسباب، لما كنا نرى الحقائق المرة عن حالات الفقر التي ما تزال تعيش بين ظهرانينا. وما كان سقف طموح الدارسين والمتابعين والمعنيين ليتوقف اليوم عند حدود المحافظة على جيوب الفقر على حالها اليوم، حتى لا تصبح أكثر سوءاً لا سمح الله.
لقد جرب الأردن التخطيط التنموي التأشيري لثلاثة عقود، دونما نتائج يعتد بها تنموياً. ثم انتقلت مقاليد إدارة البلاد إلى أصحاب فكر الخصخصة ومريديهم، بدون تحقيق أي نتائج تنموية تذكر؛ بل إن الكثيرين مثل الكاتب يرون أن الأحوال ازدادت على أيديهم سوءاً. وهو ما يؤكد حقيقة أن نجاح التنمية والتقدم الاجتماعي لا تقرره فقط طبيعة خطط التنمية وبرامجها وآليات تنفيذها، وإنما الأسس المعتمدة في إدارة الشؤون العامة للبلاد، ومقدار ما تتيحه من فرص لتعزيز الإرادة السياسية والنهج الاقتصادي، ومن بعده النهج التنموي، على نحو عادل وتشاركي بما يكفي لإنجاح خطط التنمية وعدالة توزيع عوائدها. الانتقال في نهج الإدارة العامة للبلاد إلى نهج أفضل وأكثر كفاءة هو المطلوب. نهج تتسنى به للمواطنين مشاركة منظمة وحقيقية وفاعلة في صناعة معاشهم وشؤون حياتهم ضمن أطر دستورية وقانونية، ويكفل توافر الإرادة والعمل التشاركي المطلوب لتحقيق التنمية الناجحة بأبعادها المختلفة. وليس أقل من ذلك أهمية توافر القدرات الإدارية التنفيذية الكفؤة والمؤهلة لتنفيذ السياسات والخطط التنموية، وبلوغ الأهداف المحددة لها.
دعونا نراجع، ولو مرة واحدة، خطة أو برنامجاً وطنياً من خططنا وبرامجنا التنموية الكثيرة، لنرى كيف جرى تصميمها وكيف جرى تنفيذها، وما هي نتائجها على أرض الواقع، من أجل أن نقيم النتائج ونحدد الأسباب ونصحح المسار بمقدار ما يلزم ذلك. مجلس النواب قبل غيره مطالب بالقيام بعمل كهذا، حتى لا نستفيق يوماً على فواجع تذهب بكل ما تبقى لنا من أمان معيشي وسلام اجتماعي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. عاكف الزعبي   جريدة الغد