كتبت مع من كتبوا أواسط الثمانينيات، وكنا قلة، نستنكر أن يصل دعم رغيف الخبز إلى صناعة "الجاتوهات" التي كانت حينها تبيع قطعة "الجاتوه" بـ15 قرشاً، لتربح فيها عشرة قروش؛ خمسة منها من جيب المواطن، وخمسة من خزينة الدولة. وكذلك، كانت صناعة الشوكولاته والكنافة تستفيد من دعم السكر. وكتبت مع من كتبوا أيضاً في أواسط التسعينيات، وكنا قلة أقل، نستنكر قيام مؤسسة مهمة باستلام ضعف مخصصاتها من الخبز، لتقوم بتجفيف الفائض منها وتبيعه علفاً مهرباً لمربي الماشية في السعودية. وعشنا تراجيديا اقتصادية وسياسية، تقدم فيها خزينة الدولة الأردنية علفاً مدعوماً لمربي الماشية في الجارة الغنية. وقد احتاج وقف التراجيديا-المهزلة في حينها تدخلاً شخصياً مباشراً من رأس الدولة.
حتى اليوم، ما يزال الحبل متروكاً على الغارب في موضوع الدعم، رغم أن قيم هذا الدعم في تزايد، ليبلغ أرقاماً خيالية غير مسبوقة ويصعب تصديقها. 
بدأ الدعم للغذاء والأعلاف في ستينيات القرن الماضي، ثم للمحروقات في أواسط السبعينيات. ليصل بعدها إلى المؤسسات المستقلة أواسط التسعينيات. ومن بعدها المياه والكهرباء، علماً أن دعم المياه والكهرباء هو في جله دعم لأسعار الطاقة المستخدمة في إنتاجهما. وقد تجاوزت قيمة الدعم المقدرة لهذا العام 2012، بحسب أرقام الحكومة، ومع استثناء دعم الكهرباء، مليار دينار (633 مليونا للمحروقات، و256 مليونا للمؤسسات المستقلة، و124 مليونا للقمح، و60 مليونا للشعير). وتجاوز دعم الكهرباء مليار دينار، نصفه ناشئ عن فقدان مصدر الغاز المصري.
خمسون عاماً من تطبيق الحكومات لسياسة الدعم دونما أي محاولة جدية لتوجيهه نحو مستحقيه، وحصره بهم فقط، إلى أن وصلنا إلى تبديد 55 % من قيمة الدعم على الفئات غير المستحقة. ألا يثير الريبة كل هذا الإهمال المزمن من قبل الإدارات الحكومية في هدر المال العام لصالح القوى الاقتصادية السياسية المتنفذة، خدمة لمصالحها الاقتصادية وبذخها الاستهلاكي؟ فهل إهدار عشرات ومئات الملايين في بلد كالأردن أمر لا يستحق التوقف عنده؟ ولماذا لا يكون الإهمال مقصوداً لأجل أن تستفيد من الدعم الفئات التي لا تستحقه؟ حتى إن البعض لم يعد مقتنعاً بأن تطبيق سياسة الدعم والاستمرار بها على هذا النحو، هو خدمة لسواد عيون محتاجيه، وإنما لمصلحة المستعدين للتطفل عليه من غير المستحقين. كما أن الغالبية لم تعد مستعدة بعد للاقتناع بعدم المسؤولية القانونية لمن قارفوا كل هذا الهدر المالي بحجة أنه لم يصدر عن نية جرمية.
آن الأوان للقول إنه من غير العدل أن يدفع ابن النزهة وحي نزال نفس قيمة وحدة الكهرباء والمياه التي يدفعها ابن عبدون ودابوق ودير غبار. ومن غير المعقول ولا المقبول أن يدفع ابن الطفيلة وكفرنجة وسوف وراكين وغور الصافي والقطرانة ورويشد وبلعما وسما السرحان، نفس قيمة وحدة الكهرباء والمياه التي يدفعها ابن عمان، وبخاصة المقيم في أحيائها الغربية. ولا من الإنصاف في شيء أن يتوقف التسعير التصاعدي لاستهلاك الكهرباء ولاستهلاك المياه عندما يصل السعر إلى سقف الكلفة، لتنعم الأسر الباذخة بتبديد طاقة كهربائية محدودة، وبأسعار أقل كثيراً من قدراتها، على حساب الفئات الأخرى التي تشترك معها في حاجتها إليها، وإهدار المياه في برك منازلها على حساب فقر وطني مائي سبقنا به جميع دول العالم تقريباً.
ليس من المعقول أن يظل الأكثر ثراء في البلد هم الأكثر استفادة من كل شيء؛ الأكثر استفادة من دعم المياه والكهرباء والمحروقات، والأكثر استفادة من تضخم ضريبة المبيعات على حساب ضريبة الدخل والرسوم الجمركية، والأكثر قدرة على التحايل الجمركي والتهرب الضريبي. ومن المضحك أن يستمر تقديم الدعم إليهم بحجة عدم القدرة على إيجاد آلية مناسبة لحصر الدعم بالفئات المستحقة دون غيرها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. عاكف الزعبي   جريدة الغد