ما تزال الفقرة الثانية من المادة 45 من الدستور موضع التباس بالنسبة لي. وهي مادة مهمة، تتعلق مباشرة بإدارة شؤون حكم البلاد، إذ تنص على أنه: "تعين صلاحيات رئيس الوزراء، والوزراء، ومجلس الوزراء، بأنظمة يضعها مجلس الوزراء ويصدق عليها الملك". وبحسب علمي، وهذه هي أول ملاحظة لي بخصوص هذه المادة، فإنه لم يجر الالتزام بها حتى الآن؛ فلم يتم وضع أنظمة لتعيين صلاحيات رئيس الوزراء والوزراء ومجلس الوزراء من قبل أي حكومة. وهذه مخالفة دستورية خطيرة، خصوصاً وأنها تصدر عن مجالس الوزراء المتعاقبة، صاحبة الولاية العامة لإدارة شؤون البلاد.
من ناحية ثانية، وهو في اعتقادي موضع التباس آخر في هذه المادة، كيف يصح أن يعين مجلس الوزراء الصلاحيات لنفسه مجتمعاً، ولرئيس الوزراء وللوزراء؟ إذ من غير المنطقي ولا العقلاني أن تقوم السلطة التنفيذية بوضع الصلاحيات التي تراها لنفسها، ومن باب أولى أن تتولى جهة أخرى غيرها وضع تلك الصلاحيات لها، وإلا تحولت السلطة إلى سلطة مطلقة، والسلطة المطلقة هي بالضرورة مفسدة مطلقة. المجلس الذي يمثل الشعب، والموكول إليه وضع التشريعات التي تحتاجها الدولة، هو الذي يتولى وضع الصلاحيات لرئيس الوزراء وللوزراء كلا على حدة، ولمجلس الوزراء مجتمعاً، من خلال القوانين التي يشرعها المجلس نيابة عن الشعب. قد يقول قائل إن المجلس التشريعي (مجلس الأمة) يشرع القوانين فقط وليس الأنظمة، ثم يأتي دور السلطة التنفيذية من بعده لتضع التشريعات الأدنى من القوانين، ومن بينها وفي مقدمتها الأنظمة التي يكون قد ورد نص قانوني على وضعها في القوانين. ولكن ذلك لا ينطبق على الحالة التي نحن بصددها، لسبب بسيط هو أنه لا يوجد قانون مستقل خاص بمسؤوليات رئيس الوزراء ومجلس الوزراء والوزراء حتى يتم وضع نظام بصلاحياتهم من قبل مجلس الوزراء بموجب ذلك القانون. وعلى سبيل المثال، فإن الأنظمة المنظمة لعمل الوزارات، والتي ترد فيها صلاحيات للوزراء، إنما توضع بموجب القوانين الخاصة بتلك الوزارات، والتي تتضمن نصوصاً صريحة توجب وضع الأنظمة التي تحتاجها الوزارات.
من المعلوم جيداً أن صلاحيات رئيس الوزراء، والوزراء كلا على حدة، ومجلس الوزراء، ترد في ثلاثة مواقع فقط، هي: القوانين التي يقرها مجلس الأمة، والأنظمة التي تنص القوانين على إصدارها وتخول ذلك إلى السلطة التنفيذية المختصة، ونظام الخدمة المدنية. وعليه، فلا حاجة لوضع صلاحيات لمجلس الوزراء ورئيس الوزراء والوزراء، لا من قبل مجلس الوزراء ولا من غيره، بعد أن تكون قد وردت في المواقع الثلاثة التي أشرنا إليها. وإن كانت ثمة حاجة إلى صلاحيات مستجدة للرئيس وللمجلس وللوزراء، فتتم بإضافة التعديلات على القوانين القائمة.
وقد يبرز رأي آخر ليقول إن للسلطة التنفيذية، ممثلة بمجلس الوزراء، صلاحيات تشريعية نص عليها الدستور في المادة 125، تتضمن حقه في إصدار أنظمة تكون لها قوة القانون، كما هو الحال بالنسبة لنظام الخدمة المدنية. لكن، من المستبعد جداً أن يكون من وضع الدستور قد ذهب إلى إعطاء مجلس الوزراء الحق في أن يضع لنفسه ما يراه من صلاحيات لحكم البلاد، سواء بموجب المادة 251 من الدستور أو غيرها؛ إذ لا يستقيم أن يُترك للسلطة التنفيذية وضع ما تشاء من صلاحيات لنفسها في دستور ينص على أن نظام الحكم هو نظام نيابي، وإلا يكون الدستور قد خالف نفسه نصاً وروحاً. 
وعليه، فإذا لم أكن مخطئاً في اجتهادي، فإن الفقرة الثانية من المادة 45 من الدستور بحاجة إلى إعادة مراجعة. وقد تقتضي المصلحة إعادة صياغتها لتوضيح مقاصدها على نحو دقيق لا لبس فيه.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. عاكف الزعبي   جريدة الغد