ننام على وقع القصف ، ونصحو على صوت التظاهر ، ونغمض أعيننا على مشاهد الاعتصامات ، نحاول ما وسعنا الجهد أن نضبط إيقاعات حياتنا الجديدة ، على إيقاع الضرورات التي لا مناص منها ، نهرب من شاشات البث المباشر إلى فضاء بعيد افتراضي ، لتلفحنا نار الهتافات الساخنة ، شهية الشباب انفتحت على مصراعيها ، والشهيات المضادة كذلك ، كثيرون يفتحون أفواههم استهجانا واستغرابا من جرأة المطالب ، وارتفاع سقفها إلى أعلى مما كان متوقعا،.
الشباب الذين قيل عنهم أنهم كانوا مشغولين بالحب ، والخصر الساحل جدا ، وانتظار الفتيات على بوابات المدارس كبروا فجأة ، وانصرفوا مبهورين بشباب وشابات ميدان التحرير في القاهرة ، إلى صناعة ميادين تحريرهم ، باجتهادات تبدو فجة ومستهجنة في البداية ، ولكنها في الحقيقة غير ذلك ، فقد بدأت في ميدان التحرير الأول هكذا ، وبالتأكيد فقد سخر منها كثيرون ، واستخف بها آخرون ، وشيئا فشيئا لحق الكهول بالشباب ، ولحقت بهؤلاء كل القوى والفعاليات المختلفة ، ورأيتها تتسابق لأخذ موقعها في ميدان التحرير ، كي لا تفوتها حصة عند توزيع الغنائم ، بعد أن بدا أن الثمار تكورت وتشهت القاطفين ، وقد كانوا يظنون من قبل إنها إلى تشتت وزوال،.
بين كلمتي الحب والحرب حرف واحد ، ولكن على الأرض ثمة عالم من الاختلاف ، ثورات العرب في القرن الحادي والعشرين ، صنعت حبا من طراز جديد ، حب يتحدى الموت ، وينتزع خوفا معششا في وجدان الأمة منذ عقود ، حب صنعه شباب لم يكن يحسب لهم أحد حسابا ، فلطالما رفعوا عقيرتهم بالشكوى ، ولطالما جأروا ضيقا من التهميش والتحييد ، وربما الوعيد ، وها هم ينتفضون على الكل ، وتشرئب أعناقهم إلى أعلى العلى ، بغير خوف من تابوهات ومحرمات سياسية ، إنهم يمارسون عشقا ذا طقوس تبدو غريبة ، يبدو انها ستأخذ في طريقها كثيرا من البنى والهياكل ، التي كان الاقتراب منها يوما ما يودي بك إلى جهنم أرضية صنعها خبراء التعذيب والاعتقال والتحقيق،. إنه عصر جديد تدخله الامة بتسارع كبير ، عصر بدأ منذ سنوات ، حيث كان شباب العرب وشاباتهم يلتقون كل ليلة في غرف الدردشة ، وساحات الفيس بوك ، يناقشون كل شيء بكلام مفتوح وبلا ألغاز ، ابتداء من الحب ، وصولا إلى الحرب ، وما بينهما من عوالم ، حتى إذا فرغوا من تفريغ شحناتهم العاطفية اشتغلت العقول ، واشتعلت ، وما لبثوا أن بلوروا حركتهم ، ونظموها ، ووزعوا المهام ، وأشعلوا الشرارة،.
كثير من جيل الساسة والنخب في دنيا العرب ، هم ممن تجاوزت أعمارهم الخمسين ، وهؤلاء على الأغلب لا يستطيعون أن يدركوا أي تغير حدث لأبنائهم بحكم بعدهم عن وسائل التواصل الحديثة ، فالتغيير السياسي الذي بدأت أمواجه التسونامية تجتاح العواصم ، ستأتي أيضا على البنى الاجتماعية ، فتعيد تشكيلها من جديد ، وحينما تهدأ ثورات ميادين التحرير ، تبدأ الثورات في الصالون وغرفة القعدة والمطبخ ، وربما غرفة النوم أيضا ، ثورات ستجتاح الأسرة والمدرسة والجامعة ، وحتى الحارة ، فهذه ثقافة جديدة في طريقها إلى التشكل ، ولن تترك قطاعا دون أن تضع بصمتها عليه،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور