أهرب في هذه الظروف العصيبة التي نمر بها جميعا إلى القرآن الكريم، فأتفيأ ظلاله الوارفة وأنهل من معينه الطيب، لعل النفس تهدأ، وأقرأ في سورة المائدة وقائع أول مواجهة في التاريخ بين شقيقين، ونحن في هذه البلاد الطيبة كلنا أشقاء، أقرأ .. «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ».

الشائع الأعم أن المقصود بهاته الآيات قابيل وهابيل، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل، لأنه كان صاحب زرع واختارها من أردأ زرعه، حتى إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها، وكان قربان هابيل كبشاً لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه، فتقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل، فحسده وقال لأقتنلك وقوله: «قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ».. أي إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من غيرهم، وكأنه يقول لأخيه: إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك.

أما قوله: «لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي» أي لأن قصدت قتلي، «مَا أَنَا بِبَاسِطٍ» وهذا استسلام للقتل من هابيل، كما ورد في الحديث إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم، وتلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية وفي حديث أبي ذرّ الذي رواه مسلم وأهل السنن إلا النسائي، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: يا أبا ذرّ أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً كيف تصنع؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك، قال: فإن لم أترك، قال: فأت من أنت منهم فكن فيهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: إذن تشاركهم فيما هو فيه، ولكن إن خشيت أن يردعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك ويقول ابن كثير بأن قوله: «لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي...» الآية، أي لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ» أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر واحتسب، قال عبدالله بن عمر: وأيم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه وقال الإمام أحمد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني فقال: كن كابن آدم.

ترى.. لو تمثلنا هذه الأجواء الطيبة، أكان ثمة أحد يؤذي أخاه ولو بكلمة، لا بسيف أو عصا أو حجر، وكلنا أولاد بلد نتنفس هواء واحدا، ونستظل سماء واحدة، ونشرب من نبع واحد؟ الفتنة كانت نائمة، أما وقد استيقظت، فلا أقل من أن نتتبعها ونعيدها إلى مخبئها، ولنصبر قليلا على ما تأتي الأيام به من قرارات وإجراءات، نراها قريبة ويرونها بعيدة، فقد وصلت شرارات الفتنة إلى أبعد مدى، ولعل الأيام القريبة القادمة تحمل لنا ما يثلج الصدر، ويهدىء الروع، ويطفىء النار.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور