في لحظة ما، يختلط الهم العام بالخاص، فيتوحدان ويصبحان هما نبيلا، لا تعرف أين يبتدىء الأول، ولا أين ينتهي الثاني، الثلاثون من آذار هو يوم الأرض، ولهذا اليوم وقعه وذكرياته المضمخة بالدم والنرجس والحنون، سواء بسواء، فهو يوم من أيام العرب المشهودة في التاريخ الحديث، حيث انتفض أهل الأرض الأصليون على سكان غرباء، وعمدوا يومهم بالدم، فصار هذا اليوم أيقونة تعلق على الصدور، وامتدت دلالته واحتفاليته لتتجاوز أم الفحم وشفاعمرو وسخنين، إلى كل فلسطين، ومن ثم إلى الوطن العربي والإسلامي كله، وفيما بعد ولد هذا اليوم أياما وشهورا للأرض، وتوالدت فأنجبت الانتفاضة تلو الأخرى، وفي الأثناء، واجه العدو أهل الأرض، بلحمهم العاري، فتوحش القاتل، ورسم على أجسادهم جبروته الهمجي، وأخذ من الشعب المنتفض ما أخذ، أخذ من البعض أحبابه، ومن آخرين عينا أو ساقا أو يدا، ولم يترك بيتا في فلسطين إلا ووقّع في قلوب أهله بتوقيعه الوحشي
.
في ذروة هذه الاحتفالية هذا العام، كان ثمة انتفاضات عربية، بعضها صنع نموذجه الوطني، وآخر استلهم صور الانتفاضات الأخرى، وفي كل المشاهد كانت فلسطين حاضرة، رغم كل من يحيق بأهلها في الداخل والشتات من ظلم ذوي القربى و»البُعدى» على حد سواء، وبين انتفاضة وأخرى، وثورة شعبية وأخرى، يطل الهم الشخصي، مختلطا بالعام على نحو درامي، فقد فجع صديق لي بوفاة أبيه، وهاجت الذكرى وماجت، فالأب كان أصيب بطلق ناري أخذ منه ساقا، أيام اشتعالات الانتفاضة الفلسطينية، وها هو يغادر الحياة وقد اشتعلت أرض العرب بالحياة ونبضها الهادر، شوقا للخلاص وتنفس الهواء النقي المشبع بالكبرياء والحرية | .
هي مناسبة كبرى للفرح، والحزن أيضا، ففي وقت مضى، «زرع» صديقي ساق والده في التراب، كي تُنْبت شقائق نعمان حمراء بلون الحرية، وها هو في موسم تفتح أزهار اللوز، «يزرع» والده كله في الأرض، بعد أن «زرع» جزأه من قبل، لينام في سريره الترابي، وهو يغفو على حلم الأبدية، ولكم أحاول أن أواسيه فتصطدم مواساتي بجدار الاحتلال وأسلاكه الشائكة، الممتدة في الروح والجسد، قبل أن تنتصب على الأرض | .
فيا صديقي العزيز، أدميت قلبي، وحملتني الأيام فوق ما يحتمل البشر، مما فعله من يُحسَبون على البشر، وأعدت لي ذكرى لم تزل محفورة في جدار الروح، حينما قرأت ذات ظهيرة مشتعلة بالحزن نعي والدي في صحيفة مقدسية، قبل أن يغزو عالمنا الهاتف المحمول، وقبل أن يتمكن أهل الضفتين من التواصل، وذكرتني من بعد أيضا، بصديق «تابع» جنازة والدته وهي توارى الثرى على هذا الهاتف، لأنه ببساطة شديدة لا يستطيع أن يقطع ساعتين بالسيارة، كي يكون هناك، لأسباب تعلمها الحروب والمواجهات والانتفاضات | هل أعزيك؟ وأي كلام يتسع لهذا الحزن الكوني؟ لا بل سأعزيك، فقط حينما تتذكر كل تلك الدماء التي تروي أرض ليبيا الآن، برصاص نيران صديقة وشقيقة، فالوالد الراحل لقي على الأقل «فرصة» كي يرحل في ظروف عادية، أما أولئك الذين لم يزالوا يصّعّدون إلى السماء، في بيداء ليبيا، ربما لم يجدوا أحدا يدفنهم بعد، فباتوا في أحسن الظروف في ليل الثلاجات المظلم الصقيعي، أو تناثرت أشلاؤهم على مساحات الأرض، وجُمعوا في أكياس، أو بقيت أجسادهم على قارعة الطريق | .
من الأرض، من يومها، وإليها، وإلى يومها، أشد على يدك، وأسأل الله رب العرش العظيم، أن يجمعنا بأحبتنا الراحلين على حوض المصطفى، صلوات الله عليه وسلامه، كي نشرب من يديه الكريمتين شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدا.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور
login |