شهيد من الخضيرة (3)
صغيرة الحجم مكتنزة جميلة التقاطيع، لونها الأبيض المشرّب بالحمرة وعيناها الزرقاوان ظهرا أكثر وضوحا في الجلسة.. دار بين الجميع حديث ودي الى أن سألها المهندس ثامر لماذا لم ترد عليه عندما حاول التحدث معها في ذلك اليوم .. فمازحها ولدها قائلا " والله يا أمي أنا راكن عليك لا تردين على معاكسة الشباب ..أيوه هيك بدي إياك تكوني".. ابتسمت واعتذرت بأنها لم تتنبه..سرحت بفكرها الى البعيد..ثم تكلمت :
قد يكون له أبناء أو أحفاد في مثل سنك اليوم.. لو لم يشنقوه..
جزع المهندسان من الخبر وبدت الدهشة على محياهما ..نظر المهندس ثامر الى المهندسة رحاب باستغراب فقطبت جبينها وسألت :
مَن؟
عاد أبو عماد للترحيب بالضيوف وكأنه أراد أن يوقف حديث والدته.
أدارت وجهها قليلا وأضافت: لا..لا أنا بس أكلم نفسي.
لكن المهندسة رحاب أرادت سماع الحكاية فسألت بتأمل:
مَن شنقه..ومَن هو..ما هذا الكلام؟
الإنجليز، شنقوه وشنقوا غيره الكثير من المجاهدين أثناء إنتدابهم فلسطين منذ أكثر من خمسين عاما ..
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..وتذكرينه منذ ذلك الوقت!!
وأبكيه يوميا..
نظرت رحاب إلى زميلها وسألت بصوت خفيض وقد أخذتها الدهشة: من يكون شقيقها يا ترى..أتراه أحد شهداء الثلاثاء الحمراء ..محمد جمجوم أم فؤاد حجازي أم عطا الزير.
"والله لا أعلم.."رد المهندس ثامر..
أوقفت أم إسماعيل همسهما وأردفت:
أخي، محمد عبد مصطفى الضميري..كان شابا جميلا جدا ..لم أر بجماله وخفة دمه ونشاطه أبدا..كان يحب المواشي خصوصا المعز ..شنقوه .. شنقه الإنجليز من زمان بعد هزيمة الأتراك بعد الحرب العالمية الأولى .
يا إلهي .. هتفت المهندسة رحاب.
آه والله شنقوه.. ردت بحسيرة ..ثم أضافت: مر زمن طويل لكنني ما زلت أذكره حتى اليوم وفي كل لحظة.
إلى هذه الدرجة؟ سألت المهندسة رحاب..
وكأنه يعيش بيننا.. ردت الحاجة فاطمة.. ثم أضافت :
"نحن من الخضيرة*, سمعتم عنها أكيد، قرية فلسطينية ساحلية صغيرة تقع في منتصف الطريق بين حيفا وتل أبيت..أراضيها واسعة وتربتها خصبة والربيع على مد البصر، وطقسها يا سلام..والله ما رأت عيني مثله من يوم ما هاجرنا..سمعت جدي يقول في أحد الأيام: أن شخصا واسمه سليم خوري (غير فلسطيني) تملك مساحات كبيرة من أراضيها، وبين يوم وليلة، فوجئنا بواحد يهودي جاء القرية ومعه مساحين ونساء خواجات ..إستغرب الناس ..وتساءلوا ماذا يريد هذا الملعون؟ وما الذي جاء به إلى قريتنا. فقال لهم اليهودي : خبيبي مستر سليم باعني الأرض..هذه الأرض الان ملكي أنا اشتريتها ودفعت ثمنها.
استشاط المواطنون غضبا ..الإنجليز لعنهم الله.. حرّموا على الناس اقتناء الأسلحة .. ويا ويل من كانت تذهب عليه وشاية بوجود أي قطعة سلاح معه مهما كانت صغيرة..سجن على طول وحتى شنق..أيضا...فحملوا العصي والفؤوس والطواري وأدوات الزراعة والحراثة وتوجهوا إلى بيت خوري..كانوا في حالة هياج شديد فوجدوه فارغا وقد لملم عياله وأغراضه ورتب أموره وسلم أرضه لليهودي وتركنا تحت رحمته وهرب.
المراجع
الكاتبة آسيا عبدالهادي
التصانيف
روايات آسيا عبدالهادي بكاء المشانق