يروى أن أحد المسؤولين الإسرائيليين اقترح على الأردن إرسال 25 ألف مهندس ومبرمج في مجال الكمبيوتر والاتصالات للعمل في إسرائيل وبرواتب مجزية.
وكان الرد الأردني "كم ستربحون من هؤلاء؟ ولماذا لا نستفيد نحن من عقولهم".
وفي العام 1977 ألقى سمو الأمير الحسن خطاباً افتتاحياً في منظمة العمل الدولية، تناول فيه المعاملة غير المتماثلة بين تدفقات المال والتدفقات البشرية في العالم.
وطالب سموه آنذاك بإنشاء صندوق للتعويض العمالي، هدفه تبني برامج تدريبية وتكنولوجية لصالح الدول المصدرة للعمالة الكفؤة تعويضاً لها عن ذلك.
وقد كلفت آنذاك، وكنت أميناً عاماً لوزارة العمل، بالعمل مع الاقتصادي العالمي الهندي جاجديش باثمواتي ( Jagdish Bhagwati)، من أجل إعداد ورقة حول قيمة التدفقات البشرية من دولة الى أخرى بقصد العمل.
فالدول التي تقترض رأسمال نقديا تدفع مقابله فوائد، أما الدول التي تأخذ عقولاً فلا تدفع للدولة التي أنفقت على هذه العقول أي مردود.
وأثناء البحث ثار السؤال التالي: مهما اجتهدنا وبرعنا في التحليل فإنك لن تستطيع أن تضع قيمة على عقل مثل أوبنهايمر صاحب القنبلة النووية حين هاجر من ألمانيا الى الولايات المتحدة، وكيف تضع قيمة على عقل طبيب مثل مجدي يعقوب، أو فيزيائي مثل أحمد زويل المهاجر من مصر الى الولايات المتحدة.
فقلنا نتجنب هذه الاستثناءات الخارقة، ونتحدث عن العقول المتميزة وغير الخارقة.
ووجدنا في نهاية المطاف معادلة اثبتنا من خلالها أن أصحاب الكفاءات من المهنيين والمبدعين والحرفيين الذين يغادرون بلدانهم، لا يمكن أن يحصلوا على مردود هم ودولهم أكثر من عشر القيمة المجسدة في إنتاجهم.
كلما قادتني قدماي إلى دول العالم وجدت أردنيين مبدعين.
ويجب ألا ننكر أن مساهمة البعض ممن رحلوا للعمل في دول الخليج العربي كالكويت سابقاً، والإمارات وقطر وعمان والسعودية والبحرين حالياً، ما كانت لتصل إلى ما وصلت إليه لو مكثوا في الأردن.
فقد مكنتهم البيئات التي رحلوا إليها من إظهار كفاءاتهم وقدراتهم بشكل لا يقبل النقاش أو الشك، ولكنهم هم نتاج أرضنا وأهلنا الطيبين.
إن اقتصاد كل الأسر الأردنية في الستين سنة الماضية كان عماده في الغالب يقوم على توفير فرص التعليم للأبناء (الأولاد ثم البنات).
واليوم صارت الفتيات أكثر إبداعاً، حيث قل التمييز ضدهن لصالح الذكور.
وكذلك، فإن الإنفاق العام والجهد التنموي العام ينصب على إنتاج الكفاءات وإيجاد فرص العمل لها.
لو أن نصف هذه الكفاءات بقيت لدينا، أو لو أننا كنا نصدر الأقل كفاءة ونبقي الأعلى كفاءة، فماذا سيكون عليه حال اقتصادنا؟.
أهم رصيد لدينا هو العقول، ونحن بحاجة ثانية الى ربط هؤلاء بالوطن، وهم موجودون في كل أنحاء الدنيا؛ في أوروبا، وأميركا، وأميركا اللاتينية، وغيرها، فلماذا لا يكون هؤلاء عوناً لنا وهم بذلك راغبون؟.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة جواد العناني