بخيوط رشيقة كأنها ريشة فنان مُبْدع، نَسَجت الكاتبة نهى عبد القادر مبيضين روايتها البديعة "خيط الرشق".
وخيط الرشق الذي يربط بين فصول الرواية هو الخيط من "الأثيكون" الذي تطرز به النساء أثوابهن التقليدية في الأردن وفلسطين.
وأهدتني السيدة نهى مبيضين نسخة من كتابها، فأذهلتني قدرتها الفائقة على كتابة صفحات في سطور، وفصول في صفحة، وقصة طويلة في عدد محدود من الفصول، "أسلوب أخاذ، ومفردات ساحرة، وجُمَل آسِرَةٌ".
وقلت أبدأ بهذا التنويه حتى أدخل منه إلى مفهوم الإبداع النسوي في بلادي. لقد استطاعت المرأة العصامية بفعل قدرتها على التركيز وتكريس النفس أن تُسجِّل إبداعات في كل المجالات.
ونَقَلَت الأخبارُ العالميةُ من أسبوعين أن النساءَ الدارسات لنيل شهادة الدكتوراه فاق عدد الذكور لأول مرة، فقلت حسنا، لأن كثيراً من (الدكتوروهات) التي يحملها الرجال تذكرنا بمقولة الراحل يعقوب عويس الذي عمل فترة مديراً للآثار العامة والتي تنص "أنني كلما ازددت معرفة بحملة الدكتوراه، ازددت إعجاباً بحملة التوجيهية".
وكذلك، فإننا نعلم الآن أن عدد الإناث المبدعات في امتحانات الشهادة الثانوية يفوق عدد الذكور، وأن القبول في جامعاتنا لو اقتصر على المنافسة، لربما حازت النساء بجدارة على أكثر من ثلثي المقاعد الجامعية.
ولم تعد المرأة محصورة في التعليم والتمريض والسكرتاريا، بل صارت تقود الطائرات، وضابطة سير، وطبيبة بارعة، ومهندسة متفوقة، وسيدة أعمال ناجحة، ومديرة بنوك متفوقة، وقائدة لشركات تكنولوجية، ووزيرة، ونائبا، وعيناً، وقاضيا، ولم يكد يبقى ميدان إلا واقتحمته المرأة بجدارة، وأثبتت أنها كفؤة.
وهنالك آلاف الزوجات اللواتي أصبحن بين عشية وضحاها أرامل، أو مطلقات، ولكنهن أثبتن جدارة في إدارة أعمال أزواجهن فاقت إبداع الراحل أو الزوج السابق.
وكانت لي قريبة (صريحة) كما كانت تشير إلى نفسها. وقد كانت تقول لو أن النساء حكمن العالم كأمهات، فلربما لا تقوم الحروب، ولا الفتن، ولا المذابح. ولكن سوء حظها أنها قالت ذلك القول بعد أن أعلنت مارغريت تاتشر الحرب على الأرجنتين لاستعادة جزر الفوكلاند ولكن الفكرة تستحق أن تدرس.
نريد امرأة أميناً عاماً للأمم المتحدة، وامرأة أميناً عاماً للجامعة العربية، ونساء يشرفن على التكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية.
النساء الآن لم تعد تغويهن كثيراً فكرة البحث عن زوج كي يَقْبَعْن في البيوت. وإذا كنتَ أحد الذين يعتقدون أن مكان المرأة هو البيت، فأنت محق إلى حد ما هذا إذا استطعت إلى ذلك سبيلاً.
النساء يُشرِفن الآن على الإنفاق في معظم المنازل، ويجنين دخلاً محترماً كنسبة من الدخل الكامل للاقتصاد، ومن دون عملهن، سيتراجع الاقتصاد كثيراً.
الأهم من هذا كله أننا نحن معشر الرجال أرجعنا مؤسساتنا إلى الخلف، وتدابرنا وأقمنا الأنماط الخاطئة والمعايير المغلوطة، وتَبَنَّيْنا نظم الواسطة والقرابة في التعيين، صدقوني أن النساء أكثر منكم موضوعية وجدية في التمسك بالمقاييس والمرجعيات.
أما في مجال الإبداع الفني في القصة والشعر والتتر والصحافة فهن قادمات بقوة، ولعل اقتصادنا سيصبح أكثر ثباتاً واستقراراً بمزيد من النساء في مراكز القيادة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  جواد العناني