ليس كل المتزوجات سعيدات، ولا كل اللواتي لم يتزوجن شقيات. وليست كل من تعمل شقية بعملها، ولا كل متفرغة لعمل البيت سعيدة بحظها. وإذا جزأنا الحقائق خرجنا من هذه التجزئة باستنتاجات متناقضة.
في مقالها المتميز المنشور بصحيفة الرأي يوم (16) تشرين الأول (أكتوبر)، كتبت الدكتورة سلوى عمارين مقالاً بعنوان "النساء عائدات"، وتناولت فيه أفكاراً أوردتها أنا في مقالة نشرتها في صحيفة الغد بتاريخ (3) تشرين الأول بعنوان "النساء قادمات".
وبينما خرجتُ أنا بالاستنتاج أن النساء سيحصلن على مناصب أكثر وأهم، فإن الدكتورة سلوى عمارين تخرج بالاستنتاج أن النساء طال الزمان أو قصر سوف يعدن الى البيوت.
" القفز بين قرني المعضلة " هو واحد من المصطلحات التي درسناها في علم المنطق. ويقال إن رجلاً من أثينا القديمة ذهب الى أمه وأخبرها بنيته خوض انتخابات رئاسة "أثينا". فقالت له أمه "يا بني .. إنك إن عدلت كرهك الناس، وإن لم تعدل كرهتك الآلهة، ولذلك ستكون مكروها في كلتا الحالتين، فدعك من هذا الأمر". فرد عليها الابن " ولكن يا أماه، إنني إن لم أعدل أحبني الناس، وإن عدلت أحبتني الآلهة، ولذلك سوف أكون محبوباً في كلتا الحالتين، وعليه يجب أن أخوض الانتخابات".
هنالك أمثلة كثيرة كما أوردت الكاتبة السلسة والمفكرة خارج الصندوق د . سلوى عمارين في مقالتها عن نساء مبدعات خدمن البشرية، وأخريات دفعن ثمن الشهرة والمجد. وهذا ينطبق أيضاً على الرجال. فكم من رجل أبدع في حياته وعاش سعيداً، وآخرين دفعوا ثمن الشهرة والمجد بحياتهم.
وكذلك أنا أتفق مع الدكتورة سلوى أن عمل المرأة لم يكن خيراً كله، وحتى بعض الخير الذي نتج عنه كان مبالغاً فيه. فهنالك من يقول إن عمل المرأة قد ساهم في زيادة الدخل القومي. وهذا صحيح ولكن الى حد ما، فكثير من الصناعات والنشاطات المنزلية لم تكن تدخل ضمن حساب الدخل القومي لأنها لم تكن تباع وتشترى وليس لها سعر. أما عندما انتقلت هذه النشاطات الى السوق، فقد صار لها سعر وقيمة تضاف الى حساب الدخل القومي. ولذلك، فإن الزيادة في الإنتاج ليست صافية، بل هي الفرق بين الانتاج الذي حصل في السوق بسبب عمل المرأة والإنتاج الذي كان يدار في المنازل قبل خروجها للعمل.
من غير المنطقي أن تتعلم المرأة، وأن تتفوق في تخصصاتها ثم نتركها بلا عمل. فالطبيبة المختصة مطلوبة، وتوسيع قاعدة المشاركة في سوق العمل توفر الكفاءات الرفيعة المطلوبة في علم الحاسوب، والاتصال، والطب، والهندسة، والخدمات الدقيقة. ومن يتقن هذه الخدمات من الرجال والنساء يشكل قيمة نوعية إضافية للمجتمع. وكلما وسعنا قاعدة المشاركة، ارتفعت احتمالات التفوق والتخصص.
ولذلك، فإن السؤال يبقى: كيف لنا أن نفتح الآفاق للمرأة لكي تصل قمة إبداعها من دون أن يكلفها ذلك التنازل عن طبيعتها ودورها أن تكون زوجة وأماً وصانعة منزل ومربية أجيال؟.
وكيف نمنع تحويل المرأة من قيمة إنسانية رفيعة الى بضاعة وسلع مبتذلة. وإن المرأة مهما حققت من نجاح في أي مسعى تسعاه لا يمكن أن تكون سعيدة إذا كان ثمن ذلك كله تنازلها عن كرامتها وحقوقها الانسانية. الانسان يبحث دائماً عن الحل الأمثل وهو ينتقل من حالة الى أخرى. وسوف يبقى يحاول حتى تقوم الساعة، فهو كادح الى ربه كدحاً فملاقيه.هل ستكون المرأة سعيدة إن رضيت بدور سيدة المنزل؟ لقد جلست كثيراً في المحاكم الشرعية مستطلعاً، وكم سمعت نساءً يندبن حظهن العاثر لأنهن قنعن بدور الزوجة ولم تتعدد أدوارهن في الحياة.
صدقت الدكتورة سلوى بكشف بعض الحقيقة، وأنا لم أخطئ بسعيي لكشف جانب آخر منها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  جواد العناني