هي مناسبة عائلية خاصة، ولكنها في نفس الوقت وبقدر خصوصيتها، لها بعد مجتمعي عام، فجأة اكتشفت أن يوم أمس كان ختام ثلاثين عاما من الزواج، هي ثلاثون عاما من الاقتران، أثمرت أياما عجافا وأخر يابسات، وبين هذا وذاك الكثير من راحة البال، والإلفة والمودة والتراحم، والضغط والسكري.

كنت طيلة الوقت أعتقد أن البشرية لو اخترعت أسلوبا آخر للحياة غير تكوين الأسر والزواج لانتهجته، ولكنها لم تجد أفضل من اجتراح هذا الأسلوب، وكل من اخترع فيما بعد ما طرق الاقتران بين الرجل والمرأة ظل أكثر فشلا من مؤسسة الزواج.

يقال أن عمر الحب الافتراضي هو خمسة أعوام، يتحول بعدها إلى شيء آخر، ربما مؤسسة اقتصادية، أو إلفة وعادة، أو ربما صداقة وإخوة، لا أدري، لكن يندر أن يستمر الحب مشبوب العاطفة على نمط أيام الخطبة مثلا، بل إن ناره تخبو قليلا قليلا، حتى يتحول إلى رماد، ما لم يتم تزويده بالجمر والحطب وكثير من الأوكسجين، وبغير ذلك قد يصاب بالموت السريري، أو يُلقى به في غرفة الإنعاش، ويعيش على الأجهزة، حتى يأتي وقت تُنزع الأجهزة عنه، ويموت إكلينيكيا.

الزيجات التي تتم بشكل تقليدي بلا حب ولا هيام لها فرصة أكثر في الحياة، والسبب أنها تتحول منذ اليوم الأول إلى مؤسسة واقعية بلا رومانسية وعشق وهيام وخيال، أما الزيجات التي تبدأ بالحب فهي معرضة أكثر من غيرها للرياح العاصفة، والسبب أن كلا الطرفين أو أحدهما يتخيل أن الحب سيبقى مشتعلا أبد الدهر، حتى إذا خبا جمره قليلا بدأ بشد شعره، وبدأ النقار والحوار والجدال، وتبادل الاتهامات بالتقصير والإهمال، وعندها تبدأ المعارك الطاحنة والإدانات المتبادلة، وما لم يتوفر "رجل إطفاء" على مدار الوقت، فثمة خطر يتهدد المؤسسة بالانهيار.

خطر داهم يتهدد الحياة الزوجية سواء أقيمت على الحب أو التفاهم، وهو اعتقاد أحد الطرفين أو كليهما أن وثيقة الزواج هي بمثابة "صك ملكية" أو طابو، أو "حق انتفاع حصري" وفي هذا دمار للمؤسسة أو ما يمكن أن يوفر جميع وسائل تصدعها، مع ما يسببه هذا التصدع من صداع، والصحيح (بعد التجربة طبعا) أن على كلا الطرفين أن يترك للطرف الآخر مساحة ولو صغيرة من الخصوصية، يتنفس فيها بعض الهواء، لا أن يكبس على صدره بالأسئلة والملاحقة والمتابعة: (وين رحت ووين رايح، ومع مين كنت، وشو مالك زعلان، وليش ما.. إلخ) بمعنى أكثر وضوحا، الزواج لا يعني إغلاق المنافذ على الشريك، بحيث لا يتنفس إلا عبر رئة الآخر، بل يفيد كثيرا هنا الاتفاق على "إجازة" من الزواج بين حين وآخر، مع مراعاة حرمات الله طبعا، والمقصود هنا أن يتحرر المرء من قيد المؤسسة فيستعيد شيئا من تنفس هواء العزوبية في جو بريء لا تشوبه معصية، هذا يفيد كثيرا في إدامة الاشتياق والتحمل.

هذه مجرد خواطر سريعة على هامش المناسبة التي لولا غضب الشريكة لقلت أنها مناسبة مليئة بالمشاعر المتناقضة، ولكنني سأقول أنها مناسبة سعيدة من باب التفاؤل، ورأفة بالمقبلين على الزواج، وبصراحة لو استقبلت من أمري ما استدبرت فسأرتكب نفس الخطأ بسعادة تامة، واستسلام كامل.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية