تتابطأ إنجازات ثورات ربيع العرب على نحو لافت، وحتى تلك الثورات التي «نجحت» بدأت تشهد بعض مظاهر التراجع، وحدها ثورة مصر ماضية إلى مبتغاها، وإن بدا أنها تعاني مصاعب جمة، شباب الثورة يقولون أن ما أنجز من أهداف الثورة لا يزيد عن 20 أو 25 في المائة، إشعال نار الفتنة الطائفية في إمبابة شكل صدمة كبرى للمدافعين عن ثورات الربيع العربية، قمع المتظاهرين في تونس بالطريقة ذاتها التي كانت أيام الرئيس الهارب شكل صدمة أخرى، الإعاقة المزمنة التي تعاني منها ثورة شباب اليمن تبعث على القلق، أما ليبيا وما أدراك ما ليبيا فقد اقتربت من جني الثمار، ولكنها ثمار مكلفة حد الجنون، وثمة وقت ما لمزيد من الضحايا والمعاناة، أما سوريا، فتلك قصة أخرى، فاقت في بشاعتها و»عبقرية» شرها كل ما سبق، وإن بدا أن القمع ارتدى لبوس التخلف، فلا يوجد في القاموس السياسي والتاريخ البشري شيء شبيه بما يجري فالنظام يقتل جنوده ورجال أمنه ويقيم لهم جنازات مهيبة باعتبارهم شهداء قضوا بنيران عصابات مسلحة، ومن يصدق إعلام دمشق الرسمي، يتأكد له أن البلد سايبة وتحكمها العصابات، وأن الأمن فيها مجرد هواة ليس لهم علاقة بإدارة نظام حكم استمر لعقود، وتميز بقبضته الحديدية، تناقضات مربكة تحملك على الضحك والبكاء والسخرية والانفجار والسكينة في وقت واحد، إنه نمط جديد من الحكم الغامض المتناقض، تستمع اليوم لاطلاق مبادرة للإصلاح، لتفاجأ في اليوم التالي بإطلاق نيران الدبابات على الشعب: بشيبه وشبابه رجاله ونسائه، كأن في الأمر لغزا محيرا، فتسأل: هل ثمة دولة في الدولة؟ أم صراع أجنحة في القصر الجمهوري؟ أم تناحر أجهزة أمن؟؟ وفي كل الأحوال يدفع الناس الثمن، ويُقتلون ويُدفن بعضهم أحياء في قبور جماعية
لوهلة تحسب أنك تعيش آخر الزمان، مراحل كبرى تم طيها في شهور عدة، ومفاجآت نشهدها يوميا، أبناء جيلنا عاش أياما وأحداثا أكثر مما يجب، في الجيل الواحد كان ثمة حدث ضخم يقع كل عشر سنوات مثلا، أما أن تشهد كل عشر دقائق أو أسابيع أو أشهر، أحداثا جسيمة، فهذا مما لم يحصل في ماضينا |
المتربصون بثورات العرب استفاقوا على ما أنجزته تونس ومصر، فقالوا بصوت واحد: إحنا (أو هم | ) مش تونس ومصر، وقد صدقوا، فقد قطف التوانسة والمصريون الثمرة قبل أن تستفيق الشياطين، ولتبدأ بتخريب ثورات العرب واحدة تلو آخر، إما بفعل فاعل مباشر، أو بإذكاء حرائق صغيرة لتصبح نارا حمراء عاصفة تأكل كل شيء، هل عدنا لعقلية المؤامرة؟ هكذا يبدو الأمر، ولكن القراءة المتأنية تقول أن ثمة من بدأ يخطط بشكل سريع وجدي وخطير لإجهاض الثورات العربية بشتى السبل، وقد يكون هؤلاء المخططون لا ينسقون عملهم، وقد يكون لكل منهم سببه الخاص، لكن ما هو مؤكد أن هناك جهدا حثيثا لتخريب الثورات، وإعاقة تقدمها بالسرعة المخيفة التي هددت أنظمة الحكم بشكل جدي، حتى بدأ الناس يتحدثون عن «قمة عربية للتعارف» | |
ما أقرأه وما أستطيع الجزم به، أن من يتآمر على الثورات العربية يمكنه أن يُعيق تقدمها، وقد يشكك في حسن سيرها، لكنه لن يستطيع أن يوقفها، وبمجرد انهيار نظام حكم جديد، فستُبعث النيران في العزائم التي بردت قليلا، والسبب أن الناس ذاقت ولو قدرا قليلا من طعم الكبرياء والكرامة والحرية، وطعمها لذيذ ولا يعوض، وهذه «الذوقة» كفيلة بفتح الشهية لطلب المزيد، والاندفاع للتغيير، حتى ولو غلا ثمنه، لأن البديل ببساطة شديدة: ذل مقيم وقهر وبطش وجبروت، وموت طبعا، فإن كان لا بد من الموت، فليمت المرء كما الأشجار واقفا، لا تحت الأحذية..
أنت إن قلت مت، وإن صمت مت، .. قلها ومت |
المراجع
alrai.com
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |