الإنسان الأردني هو عدة الوطن، وَذُخْرُه. هذا البلد الصامد الأمين فتح أبوابه مضيافاً لكل من أتاه طالباً الملاذ والحمى من ظلم سياسي، أو ديني، أو فئوي. والتحم القادمون المهاجرون إليه مع أصحاب الأرض، كل يؤدي أحسن ما لديه بما يعرف، فتكاملت الصورة قيادة، وأرضاً، وشعباً، تحت عقيدة سمحة، وتراث أصيل، وأخلاق نبيلة. 
ولقد احتفلنا يوم الخميس الماضي بمناسبات عديدة التأم شملها معاً لتجسد هذه المعاني التي بنت هذا الوطن، وحوَّلته إلى واحة أمان، ومصدر عيش، ومجتمع بناء ونماء.
الأولى كانت عيد الثورة العربية الكبرى وانطلاقها، سعياً لتحقيق مجد العرب وبناء دولة حديثة موحدة لهم. ولم تكن الثورة مجرد حركة ثورية على الظلم الفادح الذي شهده الوطن في أخريات أيام العهد العثماني، وإنما قامت على فكرة النهضة العربية بإستراتيجيتها، وأفكارها، ودوافعها. وقد بقيت أحلام الوحدة والعمل على إنجازها هي الرائد لسياسة هذا البلد، وتوجهاته نحو كل أشقائه العرب. والمناسبة الثانية هي عيد الجيش العربي. وما زلنا نسميه بالجيش العربي، وهو فعلاً كذلك. فلقد خاض حروباً في مواقع الأمة وخنادقها المختلفة دفاعاً عن كرامتها وعزتها. ولا أحد منا ينسى تلك الدماء الزكية الطهورة التي اختلطت فيها دماء الشباب من الجيش العربي المصطفوي بأرض فلسطين. وما كان لهذا الجيش الباسل أن يترك الأعداء يغتصبون الأرض من دون قتال مشرف، وكم شهيد منهم قَبَّلناه على ثراها بعدما دعا الله باسمها واستشهد فوقها.
والجيش يمثل العنصر البشري المتميز في هذا البلد، فهو قوي بالفطرة، مسلح بالإيمان، ماهر بالتدريب، وذكي فطن بالتعليم والتربية، وأمين على واجباته إيماناً بهذا البلد ومؤسساته كلها.
والجيش يؤدي خدمة متميزة في أقطار الوطن والعالم. وقد شهد له القاصي والداني بأنه من أحسن قوات حفظ السلام والأمن في العالم، ومن أكفأ الرجال في المعاملة الإنسانية وغوث الملهوف والضعيف وطالب النجدة. وهو عند القتال ينطبق عليه القول أنه لا يخشى من خوض الوغى لأن في عينيه العزم وفي كفيه الأمل. وبانضمامنا إلى مجلس التعاون، سيكون عزوة لأهلنا هنالك، لأن هذا دأبه وتاريخه وطبيعته. واحتفلنا كذلك بمناسبة عيد الجلوس الملكي. لقد مضى عملياً على تولي الملك عبد الله الثاني ابن الحسين إثنتا عشرة سنة وأربعة أشهر ويومان، أي منذ اليوم الذي انتقل فيه الراحل العظيم الحسين بن طلال إلى بارئه الأعلى راضياً مرضياً بإذن الله. أما من حيث الذوق وحسن الاختيار، فقد اختار القائد الأعلى يوم الثورة والجيش ليحتفل فيه بعيد الجلوس.
ولقد أبدى الملك الشاب منذ توليه رغبة عالية في بناء البلد، وَرَفْعِهِ الى ما يستحقه من مكانة بين الدول. ولذلك فقد بنى على ما أنجزه أجداده الأشاوس قبله، ويسعى بكل الصفاء والمضاء لكي ينجز مرحلة متقدمة. ولذلك، فقد أقبل على الإصلاح بهمة عالية، غير خائف ولا وَجل، وتبنى قبل المؤسسات الأهلية والعامة أفكار الإصلاح وبادر إليها مما وضع عليهم مسؤولية إنجازها.
ولذلك، فإننا احتفلنا في حزيران (يونيو) ليس بمرور (95) سنة على انطلاق الثورة العربية الكبرى فحسب، ولا بمناسبة مرور (12) عاماً من تسلم الملك عبد الله الثاني مقاليد الحكم، ولكننا نحتفل بوطن يستذكر في يوم واحد العناصر الأساسية لبنائه، ومكوناته، ومستقبله. إنه يوم نحتفل فيه بالفلسفة التي قامت عليها هذه الدولة الفتية قبل تسعين عاماً بتذكرنا للثورة التي قامت قبل ذلك بخمس سنوات. ويوم نستذكر فيه الإنسان الأردني ممثلاً خير تمثيل هذه المرة بجيشه العربي، حامل التاج، ورافع الرأس في كل مكان.. ونحتفل فيه بالقيادة الهاشمية ممثلة بشبلها القوي الأمين عبد الله الثاني ابن الحسين، والذي مزج عناصر قوة هذا البلد، لجعله منيعاً أبياً نامياً آمناً.. فكل عام والهاشميون وجميع أبناء هذا الوطن والوطن العربي بخير...

المراجع


التصانيف

صحافة   جواد العناني  جريدة الغد