بدايةً، من الضروري التوضيح أن بدهية العنوان لا تُلغي الكتابة حوله، وبخاصة في وقت خفت فيه صوت المقاومة، إلاّ من أولئك القابضين على الجمر الذين يوجهون صواريخهم وقذائف الهاون إلى المواقع الإسرائيلية بين الفينة والأخرى، بغض النظر عن تداعيات ذلك إسرائيلياً، وبالرغم من ملاحقة ذوي القربى لهم. كذلك، فإن كلمة الفلسطينيين في العنوان تعني فيما تعينه كافة الفلسطينيين، بمختلف ألوان طيفهم السياسي، ومن ضمن ذلك السلطة التي حسمت خيارها مبكراً بالمفاوضات فقط، من خلال رئيسها وقادتها ومسؤوليها الذين ملؤوا آذاننا بالخيارات المفتوحة أمامهم منذ أشهر طويلة، وحتى اللحظة لم "يتحفونا" بنوعية هذه الخيارات والتهديدات الواردة على ألسنتهم، وهم الذين يعتبرون (وخاصة رئيس السلطة) أن المقاومة "طريق عبثي مدِّمر إرهابي يلحق الويلات بالشعب الفلسطيني"، واستعاضوا عنها بالمفاوضات التي أثبتت فشلها وعبثيتها رغم امتدادها عشرين عاماً. وبالرغم من تهديدات الرئيس أبو مازن "بأن لا مفاوضات مع إسرائيل إن لم يتوقف الاستيطان"، فقد ذهب إلى استئنافها في عمان تحت اختراع لفظي لها: "استكشافية". وبرغم أن مسؤولي السلطة صرّحوا: "بأن الأجوبة الإسرائيلية عن موضوعي الحدود والأمن، اللذين طلبتهما السلطة في لقاءات عمان مخيبة للآمال"، ها هو الناطق الرسمي باسم السلطة نبيل أبو ردينة، يطل علينا بتصريح قال فيه: "بالرغم من فشل مفاوضات عمان فهذا لا يعني عدم العودة إليها"، ما يعني أن السلطة ستعود إلى مفاوضات عمان، ولربما أن التصريح الرسمي جاء لتهيئة الأجواء لإمكانية صدور قرار عن السلطة بتمديد مهلة الثلاثة أشهر التي حددتها اللجنة الرباعية في برنامجها للحل، وانتهت في 26 كانون الثاني الماضي. والولايات المتحدة والأمم المتحدة والدول الأوروبية تضغط في هذا الاتجاه. ونود أن نسأل مسؤولي السلطة: ما هي الخيارات المفتوحة الأخرى أمامكم؟
من ناحية أخرى، لو استعرضنا الحقائق الإسرائيلية لاتّضح تماماً استحالة الوصول مع إسرائيل إلى أي حلول/ تسويات عادلة للقضية الفلسطينية، وربما أبرزها في أذهان البعض "حل الدولتين".
إسرائيل ترى في الدولة الفلسطينية، حتى تلك المقامة على حدود العام 1967، تهديداً لها ونقيضاً لوجودها. وإن كانت منزوعة السلاح، ستظل إسرائيل تخشى من إمكانية لجوء الفلسطينيين إلى التسليح. لذلك فإن قضيتي الحدود والأمن مرتبطتان بالرؤية الإسرائيلية للتسوية، وهي الحكم الذاتي على الأمور الحياتية للفلسطينيين من هذه السلطة أو من غيرها، في ظل استجابة فلسطينية لمتطلبات الأمن الإسرائيلي. هذا أولاً.
ثانياً، إسرائيل تصنع الحقائق على الأرض من حيث زيادة الاستيطان وتهويد القدس ومنطقتها، فهي تهدف إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية بالمستوطنات والجدار العازل والطرق الالتفافية، ومصادرة الأراضي، بحيث تصبح المدن والقرى والمناطق الفلسطينية اما معزولة بالجدار العازل أو تصبح مثل المعتقلة في سجن مثل مدينة قلقيلية، وإما محاطة بمستوطنات أو بطرق التفافية. ومن الاستحالة بمكان تواصل هذه المدن والقرى والمناطق في دولة قابلة للحياة والتي لا يمكن بناؤها على كانتونات معزولة.
إسرائيل تهدف إلى إجراء "ترانسفير" لمناطق الكثافة السكانية الفلسطينية. من هنا تتزايد الدعوات إلى إقامة الوطن البديل في الأردن (مؤخراً وقع 47 نائباً في الكنيست مشروع قرار بذات المضمون سيتقدمون به إليها). لذلك تهدف إسرائيل إلى إبعاد سكان القدس عن مدينتهم بانتزاع هوية الإقامة منهم في المدينة المقدسة. وهي وسعت حدود منطقة القدس وملأتها بالمستوطنات، لتصبح معزولة تماماً عن باقي أنحاء الضفة الغربية.
لطالما تمثل الشعار الإسرائيلي بالنسبة لمناطق 48 ومناطق 67 في شعار: "أرض أكثر وعرب أقل". وربما من الصعب على إسرائيل إجراء ترانسفير للفلسطينيين بالطريقة التقليدية، لصعوبة ذلك ضمن الأوضاع الدولية. يقول الكاتب الإسرائيلي المعارض للسياسات الصهيونية إيلان بابيه في مؤلفه القيم "التطهير العرقي للفلسطينيين" عن الترانسفير في الزمن الحالي: ستلجأ إسرائيل إلى خلق واقع اقتصادي-اجتماعي-سياسي للفلسطينيين في منطقة 48 بحيث يصبح من المستحيل بقاؤهم في أراضيهم. نفس السيناريو ينطبق على الفلسطينيين في المناطق المحتلة.
أيضاً يمكن الاطلاع على ذات المضمون في مقررات مؤتمرات هرتزيليا (والتي انعقد مؤتمرها الدوري الثاني عشر في 31 كانون الثاني الماضي ويستمر إلى بدايات شهر فبراير الحالي). هذه المؤتمرات تنعقد تحت شعار "تحقيق مزيد من المناعة للأمن القومي الإسرائيلي"، وهي مصدر مهم للسياسات الإسرائيلية. فهاجس هذه المؤتمرات كان وما يزال تحقيق المزيد من التفوق الديموغرافي اليهودي في إسرائيل والتخلص من العرب فيها.
ثالثا، إسرائيل وبطرحها لشعار "يهودية الدولة" فإنها عمليا تسحب البساط من تحت كل الرؤى الاستراتيجية المعبر عنها في شعارات "الدولة الديمقراطية الواحدة" و"الدولة الثنائية القومية" و"الدولة لكل مواطنيها". وبالتالي، بانعدام هذه الحلول، وكذلك استحالة حل الدولتين، تنعدم الإمكانات (حتى في أدنى مستواها) الفعلية لما يسمى بــ"الحل التاريخي" مع إسرائيل. بما يعني أن الصراع معها هو صراع وجود، وأن التناقض معها هو تناقض تناحري، يحتِّم محاربتها في سبيل بقائنا كشعب فلسطيني وكأمة عربية. وجاهل كل من يتصور أن الخطر الإسرائيلي قائم فقط على فلسطين أو الفلسطينيين فحسب، وإنما على العرب والمنطقة والإنسانية جمعاء، تماماً مثل النازية والفاشية وكل التيارات المشابهة على مدى التاريخ.
إسرائيل لا يمكنها التخلي عن العنصرية والعدوان ولا عن العقيدة التفوقية الاستعلائية الكريهة. من هنا يقتضي الواجب على الفلسطينيين بكل ألوان طيفهم السياسي وكل فصائلهم، اللجوء إلى البعد القومي، وبخاصة في ظل التغييرات العربية، واستغلالها كعامل أساسي في الصراع الذي هو بالضرورة صراع فلسطيني عربي-إسرائيلي صهيوني، ويقتضي أيضاً تعميق التحالف مع قوى المقاومة في المنطقة، وعلى رأسها المقاومة الوطنية اللبنانية التي أثبتت تجاربها إمكانية ليس الصمود في وجه إسرائيل فحسب وإنما توجيه الهزيمة لها.
رابعاً، أمام هذه اللوحة البانورامية للصراع، يصبح الخيار الوحيد المتوفر للفلسطينيين هو المقاومة بكافة الأشكال والوسائل، وعلى رأسها الكفاح المسلح كلغة وحيدة تؤثر على إسرائيل، وتجبرها على الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بالطبع مع استثناء خيار التنازلات التي ثبت أن المفاوضات مع إسرائيل ستقود السلطة إلى المزيد منها.
لأهمية الموضوع، وبخاصة في هذه المرحلة، فهو مطروح للنقاش من القرّاء الكرام لإبداء الرأي.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د. فايز رشيد جريدة الغد المقاومة الفلسطينية العلوم الاجتماعية