سيتذكر اللبنانيون والسوريون هذا اليوم الثلاثاء 26 نيسان 2005على انه نهاية حقبة وبداية اخرى في تاريخ البلدين والشعبين.
ويختلف الكثير من اللبنانيين مع السوريين على تقويم هذه الحقبة التي قامت خلالها سوريا بدور امني وسياسي واجتماعي مفصلي في لبنان.
فئات اساسية من المجتمع اللبناني تعتقد ان سوريا اساءت استغلال وجودها في لبنان، واصبحت طرفا في توازنات داخلية، وشريكا في حسابات اقتصادية وسببا لتداعيات صاغت اطار السياسة اللبنانية على مدى ثلاثة عقود.
هؤلاء اللبنانيون يرون في خروج القوات السورية من الاراضي اللبنانية استقلالا جديدا، وفرصة تاريخية لاعادة بناء بلدهم بطابع لبناني بحت. ويتطلع هؤلاء الى خروج قوى خارجية اخرى من مدار التأثير على القرار اللبناني.
فصور آية الله الخميني ما زالت مرفوعة في العديد من شوارع بيروت والجنوب. والصورة يوازيها حضور سياسي، سمح لايران ان تكون طرفا في السياسة اللبنانية.
السوريون خرجوا من لبنان في وقت وصلت فيه الضغوط الدولية عليهم الى مستويات غير مسبوقة. ورغم امتثال السوريين قرار مجلس الامن الدولي 9551، ورغبة غالبية اللبنانيين انهاء التواجد السوري العسكري في لبنان، تعكس تصريحات المسؤولين في دمشق "غصة" على ظروف الخروج وسرعته، والبيئة الدولية التي قدمته انكسارا لهم.
الخطاب الرسمي السوري يؤرخ للتواجد السوري في لبنان على انه فترة اعطت فيها سوريا للبنان اكثر مما أخذت ويرى في اللبنانيين الذين طلبوا من سوريا ترك لبنان ناكرين للجميل.
لكن، وبغض النظر عن اي اعتبارات واستحقاقات سياسية اقليمية او دولية سرعت من خروج سوريا من لبنان، فان لبنان لا بد ان يكون للبنانيين. اللبنانيون يطالبون بحقهم في ان يحكموا انفسهم بأنفسهم. وما ابدوه من تماسك ونضوج سياسي واجتماعي في تعاملهم مع كارثة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري يدحض اي ادعاء بأنهم بحاجة لقوى خارجية لتحافظ على سلمهم الاهلي.
اما معركة سوريا الرئيسة فهي ليست في لبنان، وليست ضد الولايات المتحدة او المجتمع الدولي. معركة سوريا الاساسية داخلية، وهي معركة تطوير وتحديث و"دمقرطة". اذا كسبت سوريا هذه المعركة، فالازمة مع اميركا ستكون سهلة.
عدو سوريا الاكبر الآن هو تدهور اداء مؤسسات الدولة، واقتصاد متخلف، فقر، بطالة، وتقوقع لقوى هرمت خلف افكار وعقائد غير قابلة للتسويق. وتحدي سوريا الاكبر هو في اعادة بناء الدولة على اسس ديمقراطية حديثة ومنتجة.
لبنان يحكمه اللبنانيون في ظل ثقافة وممارسات ديمقراطية، وسوريا اصلاحية تسير الى امام، لا يمكن الا ان يطورا علاقات تعاون تفرضها الجغرافيا والمصالح.
العلاقات التي تستغل الخلل في توازن القوى، والمرتكزة الى منطق القوي والضعيف، كان لا بد ان تنتهي لانها، ببساطة، علاقة غير طبيعية لا تملك مقومات الاستمرار.
في انسحاب سوريا من لبنان، رغم الظروف التي حكمته ورغم الغصة ورغم النشوة، فرصة لاعادة ترتيب العلاقات السورية واللبنانية.
لكن الواقعية تحتم الاعتراف ان الجراح ستحتاج الى وقت، وخطوات بناء ثقة، قبل ان تلتئم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد