اصبح الهاجس واقعا أو أوشك. فالتغيير في العالم العربي حاصل لا محالة، إما اختياريا وإما تحت ضغوط بدأت خارجية وستتحول داخلية عاجلا أم آجلا.
فالمنطقة تمر بمخاض تعرف الولايات المتحدة ودول غربية اخرى من حولها مدته وحددت ملامح نتاجه.
لكن دول المنطقة ليست من دون خيارات في ادارة عملية التغيير. وتستطيع ان تكون مؤثرة ان هي بادرت في اتخاذ الخطوات التي تفرضها ضرورات المرحلة. وفي الوقت ذاته، تستطيع ان تدفن رأسها في الرمل لتجد عند اعادة فتح اعينها ان العالم اصبح غير العالم وان طرائق الأمس لن تجدي نفعا.
المطلوب عالمياً، وشعبياً، ان تبدأ دول المنطقة في سلوك طريق الديمقراطية. وهذا يعني اقرار حقوق المواطنين وحريتهم، وضمان تكافؤ الفرص ومحاربة الفساد وفتح آفاق الانجاز امامهم.
الالتقاء على الهدف بين الولايات المتحدة وشعوب المنطقة لا يماثله التقاء على اسباب التغيير. واشنطن تريده خدمة لمصالحها. والشعوب العربية تريده انصافا لها، وإنهاء لعقود من الحكم الشمولي ولحقبة من اضاعة الفرص واساءة استعمال موارد الدولة.
لكن الاختلاف على الاسباب لا يجوز ان يكون مبرراً لعدم الشروع بكسر جمود عقود ظنت خلالها أنظمة في العالم العربي انها تستطيع ان توقف حركة التاريخ وتنعزل وتعزل شعوبها عما يجري في العالم.
الضغط الشعبي بدأ ينمو. في لبنان انهت "انتفاضة الاستقلال" ثلاثة عقود من الوجود السوري وفرضت على رجال السياسة تحركاً ما كان ممكناً قبل ذلك.
تحرك الشعب اللبناني تفاعل في عديد الدول العربية رغم انه لم يتطور بالزخم ذاته.
لكن الزخم قادم اذا لم تستبق الانظمة، حماية لها ولدولها، الاحداث، لتحدث طواعية انفراجات سياسية واقتصادية.
كثيرون كانوا يرون في الانفتاح السياسي تهديداً لهم ولحكمهم. واستمرار الانغلاق هو الخطر الاكبر الآن.
الاشهر القادمة ستكون مليئة باحداث جسام. اسرائيل ستنسحب من غزة، لتضع القيادة الفلسطينية في مواجهة تحدي ادارة القطاع من دون توفر ادنى شروط النجاح الاقتصادية والامنية.
الولايات المتحدة وايران ستقتربان من نقطة الحسم في موضوع الملف النووي بالتزامن مع انتخابات جديدة من المرجح ان تفرز هاشمي رافسنجاني، البراغماتي، رئيساً، لتصل الدولتان الى اتفاق يحيّد ايران في الصراع الذي ينمو بين الولايات المتحدة والدول العربية حول شكلها المستقبلي.
سورية ستجد نفسها في وضع صعب في معالجة اجندة اميركية لا يعيقها حسابات حول دور ايران، وربما حزب الله ايضا. خيارات سورية محدودة: اصلاح داخلي يسحب البساط من تحت اقدام واشنطن.
هذا الحراك السياسي قد يرافقه تصعيد من مجموعات اعتمدت الارهاب والقتل وسيلة لاسماع صوتها. التفجيرات في مصر اليوم وفي السعودية من قبلها والمحاولات التي احبطت في الاردن تشير الى حجم الكابوس المتوقع.
صورة قاتمة. لكن الحلول موجودة. اصلاح وانفتاح في السياسة والاقتصاد ومصارحة مع الشعوب حول الممكن واللا ممكن.
الاردن سيحصن نفسه اكثر ان سارع في عملية الاصلاح التي اعلنها برنامجاً للحكومة الجديدة. مصر يجب ان تُدعِّم جهودها الامنية لمحاربة الارهابيين باجراءات سياسية تسمح بمشاركة شعبية اكثر في صنع القرار وتؤسس لتغيير ديمقراطي مقنع.
اما الولايات المتحدة، فلها في اعادة صياغة سياساتها في المنطقة مصلحة ذاتية. والبدء يجب ان يكون مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون لثنيه عن خطته القادمة في حصر الدولة الفلسطينية في غزة، دولة فاشلة غير قابلة للحياة والاستيلاء على الضفة وطرد سكانها تحت ضغوط امنية او اقتصادية.
استمرار شارون في مخططه هذا يعني بداية انفجار منطقة ستشتعل فيها نيران اخرى اذا لم تع انظمتها ان الضغط الذي مارسته على مدى عقود وصل درجة توليد الانفجار.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد